الثلاثاء 16 كانون الاول , 2025 03:40

"ميونيخ الخاصة بنا": كيف أعاد الشاباك إحياء عقيدة الاغتيالات بعد 7 أكتوبر

خطاب رونين بار وعملية طوفان الأقصى

في مؤتمر "أسبوع السايبر" الذي عُقد في جامعة تل أبيب بتاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، قدّم رئيس جهاز الشاباك الأسبق رونين بار تصريحاً نادراً أعاد من خلاله صياغة السردية الإسرائيلية لأحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. ففي توصيف ذي حمولة رمزية عالية، قال بار إن الشاباك "رفع رأسه وانطلق إلى الحرب على جميع الجبهات"، مؤكداً أن عناصر الجهاز قاتلوا وخاطروا بحياتهم، وأخلوا مدنيين تحت النار، وقادوا عمليات إنقاذ غير مسبوقة، وقتلوا المهاجمين، "ووفوا بالعهد الذي قطعوه".

غير أن العبارة الأكثر دلالة في حديث بار كانت توصيفه ما جرى بأنه "ميونيخ الخاصة بنا"، في استحضار مباشر لعملية ميونيخ عام 1972 وما تلاها من تحوّل عميق في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. وقد أرفق هذا التوصيف بتأكيده أن "الحساب" سيطال من يعتبرهم المسؤولين في لبنان وغزة وفي أنحاء مختلفة من العالم، كاشفاً أن اثنين فقط بقيا على قيد الحياة من "مهندسي الهجوم"، وأن الجهاز سيصل إليهما، قبل أن يختم حديثه بالإشارة إلى ضرورة استعادة "ران"، في إشارة إلى الجثة الإسرائيلية الوحيدة التي لا تزال محتجزة في غزة.

بعد أيام قليلة على هذا التصريح، أعلنت إسرائيل في 13 كانون الأول/ديسمبر 2025 اغتيال رائد سعد، أحد أبرز قادة الجناح العسكري لحركة حماس في قطاع غزة، والمتهم إسرائيلياً بالضلوع في التخطيط لهجوم السابع من أكتوبر. وقد بدا هذا الاغتيال، في توقيته وسياقه، كترجمة عملية مباشرة لما حمله خطاب بار، وكحلقة إضافية في سلسلة الاغتيالات التي أعقبت الهجوم.

إن توصيف السابع من أكتوبر بوصفه "ميونيخ الخاصة بنا" لا يمكن فصله عن ما يُعرف بـ"عقيدة ميونيخ"، التي صاغتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير عقب عملية ميونيخ عام 1972، والتي قامت على مبدأ الملاحقة العابرة للحدود والاغتيالات الممنهجة بحق من تعتبرهم إسرائيل مسؤولين عن استهداف "اليهود" في أي مكان. فاستدعاء هذا المفهوم اليوم لا يحمل بعداً خطابياً فحسب، بل يعكس محاولة واعية لإدراج اللحظة الراهنة ضمن إطار استراتيجي قديم، أثبت حضوره في الوعي الأمني الإسرائيلي لعقود.

تعود جذور "عقيدة ميونيخ" إلى العملية التي نفذتها منظمة "أيلول الأسود" خلال دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ بين 5 و6 أيلول/سبتمبر 1972، حين احتُجز رياضيون إسرائيليون للمطالبة بالإفراج عن أسرى فلسطينيين، وانتهت العملية بمقتل 11 إسرائيلياً وخمسة من أفراد المجموعة الفلسطينية وشرطي ألماني. وقد شكّلت هذه الحادثة نقطة تحوّل دفعت القيادة الإسرائيلية إلى تبنّي مقاربة جديدة، لخّصتها غولدا مائير بقولها إن "من يسفك الدم اليهودي لن يكون في مأمن أبداً".

على هذا الأساس، تحوّلت الاغتيالات الانتقامية إلى عنصر ثابت في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ونُفّذت عبر آليات مؤسسية، من بينها "لجنة الإكسات" التي تولّت اختيار الأهداف والمصادقة على تصفيتها، استناداً إلى معطيات قدّمها الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية. واستغرقت "إسرائيل" نحو ستة عشر عاماً لتصفية أقل من عشرين شخصية أُدرجت على هذه اللائحة، ضمن ما عُرف بعملية "غضب الرب".

في تلك المرحلة، واجهت إسرائيل تصاعداً في العمليات الفلسطينية، دفعها إلى بلورة ردّ مزدوج: استراتيجياً، من خلال تحميل الدول العربية مسؤولية التهديد الوجودي، وتكتيكياً عبر استهداف البنى التحتية، وتقليص التعرض للهجمات، وضرب الدافعية بالردع والعقوبات. غير أن محدودية جدوى هذا النهج، وما رافقه من تداعيات سياسية وأمنية، قاد غولدا مائير في نهاية المطاف إلى الانتقال من "ذهنية الدفاع" إلى "ذهنية الصيّاد"، أي إلى اعتماد الاغتيالات المركّزة كأداة هجومية مركزية.

بعد السابع من أكتوبر 2023، عادت هذه الذهنية إلى الواجهة بقوة. فقد أعلنت القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، التزامها الصريح بملاحقة قادة حركة حماس في الداخل والخارج، وأنشأ الشاباك وحدة خاصة تُعرف باسم "نيلي" لتولي هذا الملف. ومنذ الساعات الأولى للحرب، جرى تطبيق هذه السياسة عبر سلسلة اغتيالات طالت قادة سياسيين وعسكريين في غزة، ثم امتدت إلى ساحات خارجية، من بيروت إلى طهران، وصولاً إلى محاولات استهداف قيادات في الدوحة.

وتكشف هذه السياسة عن تصور إسرائيلي لحرب متعددة الجبهات، تُدار داخلياً عبر مسارين متوازيين: الأول يتمثل في اغتيالات ممنهجة تستهدف قادة حماس والفصائل الأخرى المتهمين بالمسؤولية عن هجوم السابع من أكتوبر، والثاني يتركز في الضفة الغربية عبر ضرب البنية التحتية للمجموعات المسلحة.

وتشير دراسات تحليلية، من بينها ورقة صادرة عن مركز "مدار"، إلى أن الاغتيالات بعد السابع من أكتوبر لا تندرج فقط في إطار "الإحباط الوقائي"، بل تحمل بعداً انتقامياً واضحاً، يهدف إلى استعادة الردع الإسرائيلي، والقضاء على الجيل القيادي الحالي في حركتَي حماس والجهاد الإسلامي، وإعادة تشكيل البيئة الأيديولوجية والسياسية في غزة على المدى البعيد. كما تسعى هذه السياسة إلى تقويض التجربة العسكرية–الأمنية التي تبلورت في القطاع، وطمس السردية الفلسطينية لأحداث السابع من أكتوبر، بما يسمح لإسرائيل باحتكار رواية ما جرى.

في هذا السياق، يرى مفكرون صهاينة، مثل ستيفن م. فلاتو، أن "عقيدة ميونيخ" ما تزال فاعلة حتى اليوم، وأن إسرائيل لا تزال تنطلق من مبدأ عدم الاعتماد على أي طرف خارجي في حماية نفسها. ووفق هذا المنظور، تُقدَّم العقيدة بوصفها ردعية وأخلاقية في آن، تهدف – كما يقول أنصارها – إلى ترسيخ فكرة أن حياة اليهود ليست مباحة، وأن سيادتهم وكرامتهم غير قابلتين للمساومة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور