الأربعاء 17 كانون الاول , 2025 11:33

الجنوب اليمني بين إعادة الهندسة الإقليمية ووظيفة المواجهة مع صنعاء

لم تعد التحولات المتسارعة في جنوب اليمن قابلة للفهم ضمن ثنائية الصراع المحلي بين "المجلس الانتقالي الجنوبي" وحزب "الإصلاح"، ولا حتى في إطار التنافس السعودي -الإماراتي التقليدي على النفوذ. اذ أن ما يجري اليوم يتجاوز ذلك بكثير، ويشي بإعادة هندسة شاملة للمشهد الجنوبي، تُدار بأدوات محلية، لكنها تخدم مشروعاً إقليمياً أوسع، باتت إسرائيل في قلبه، مع تراجع الأدوار التقليدية لحلفائها العرب إلى مواقع تنفيذية أو تمويلية.

خلال فترة زمنية قصيرة، انهارت المعادلات الميدانية التي استقرت منذ عام 2019، وتمكّن "الانتقالي" من إزاحة "الإصلاح" عملياً من الجغرافيا الجنوبية، في شبوة وأجزاء واسعة من حضرموت والمهرة، من دون معارك فاصلة تُذكر. هذا الانهيار السريع لا يمكن تفسيره بضعف ذاتي مفاجئ للإصلاح، بقدر ما يعكس قراراً سياسياً إقليمياً بإقصائه من الجنوب، بعد أن استنفد دوره الوظيفي، وبات عبئاً في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

القوة الحاسمة في هذا التحول لم تكن قوات الانتقالي وحدها، بل التشكيلات التي يقودها أبو زرعة المحرمي والتي تعرف بالـ "عمالقة"، والتي لعبت دور "الوسيط العسكري" في عملية الاستلام والتسليم، بما يشي بأن ما جرى أقرب إلى إعادة تموضع مُدارة، لا إلى صراع مفتوح. في المقابل، جرى تفريغ "الشرعية" من مضمونها السياسي والميداني، مع سحب رئيسها إلى الرياض، وتحويلها إلى مظلة خطابية قابلة للاستخدام عند الحاجة، لا أكثر.

غير أن الأهم في المشهد ليس إقصاء الإصلاح بحد ذاته، بل ما يكشفه هذا الإقصاء عن طبيعة المشروع الجاري تنفيذه في الجنوب. فالإمارات، التي تقود عملياً عملية إعادة التشكيل، لا تعمل على تمكين "الانتقالي" بوصفه مشروع دولة جنوبية مستقلة، بل بوصفه أداة أمنية-عسكرية تُمسك بجغرافيا حساسة، من عدن إلى باب المندب، ضمن منظومة إقليمية هدفها الأساس تطويق صنعاء، وتحويل الجنوب إلى منصة متقدمة في أي مواجهة مقبلة.

بالتالي، يمكن فهم التناقض الظاهر في سلوك الانتقالي الذي يظهر في خطاب انفصالي عالي السقف، يقابله قبول عملي بتقاسم النفوذ في مناطق الثروة، ولا سيما في حضرموت والمهرة، حيث تحافظ السعودية على حضور مباشر أو غير مباشر في منابع النفط والمنافذ الاستراتيجية. هذا الترتيب يعكس حدود الدور المسموح للانتقالي بلعبه، ويؤكد أن حلم الدولة الجنوبية يُستخدم كحافز تعبوي، لا كمشروع سيادي فعلي يمكن أن العمل عليه.

في الواقع، التحول الأخطر يتمثل في الانخراط الإسرائيلي المتزايد في المشهد الجنوبي، سواء عبر حضور أمني واستخباري غير معلن، أو عبر تنسيق عملياتي في الساحل الغربي وباب المندب. فبعد أن باتت صنعاء لاعباً مؤثراً في معادلة البحر الأحمر، ونجحت في كسر جزء من الهيبة البحرية الأميركية، تحوّل اليمن، من منظور تل أبيب، إلى جبهة مباشرة لا يمكن ترك إدارتها لحلفاء تقليديين أثبتوا فشلهم. وهنا تحديداً يبرز الدور الإماراتي، بوصفه الأكثر استعداداً للذهاب بعيداً في التطبيع الوظيفي، وربط الجغرافيا الجنوبية بالأمن الإسرائيلي.

في هذا السياق، تبدو إعادة هندسة الفصائل اليمنية جزءاً من استعدادات أوسع لمواجهة إقليمية محتملة. جرى تفكيك مظلة "الشرعية"، ودُفعت الفصائل للتمركز في مناطق نفوذ مستقلة: الانتقالي في الجنوب، طارق صالح في الساحل الغربي، والإصلاح محاصَراً في مأرب. الهدف الواضح هو إدخال هذه القوى إلى أي مواجهة مقبلة ككيانات منفصلة، تُحاسَب على أدائها الميداني، وتُكافأ أو تُعاقَب تبعاً لذلك، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو وطنية جامعة.

لكن هذه الهندسة، على ما تبدو عليه من إحكام، تحمل في طياتها بذور تفككها. فالصراع السعودي – الإماراتي لم يُحسم، بل جرى تجميده مؤقتاً. والتناقضات بين الفصائل المحلية، ولا سيما حول الثروة والتمثيل، لم تُحل. والأهم أن الرهان على تطويع الجنوب ليكون منصة آمنة في مواجهة صنعاء يتجاهل حقيقة أن الأخيرة راكمت، خلال السنوات الماضية، قدرة عسكرية وتعبوية تجعل كلفة أي مغامرة داخلية أو إقليمية باهظة وغير مضمونة النتائج.

ما يشهده جنوب اليمن اليوم إعادة ترتيب مؤقتة لجبهة متقدمة في صراع إقليمي مفتوح. وهو ترتيب قد يصمد مرحلياً، لكنه مرشح للاهتزاز مع أول اختبار جدي، في ظل تداخل المشاريع، وتضارب المصالح، وتحول اليمن، شمالاً وجنوباً، إلى ساحة مركزية في معركة تتجاوز حدوده بكثير.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور