الأربعاء 17 كانون الاول , 2025 06:31

تقرير جينسا 2025.. إستراتيجية للردع المستقبلي

علمي إيران والكيان الإسرائيلي

مركز "جيموندر" للدفاع والإستراتيجية، التابع لمعهد الأمن القومي اليهودي الاميركي"جينسا" للسياسات العامة في أميركا، أصدر تقريراً وتوصيات في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 بعنوان: "عملية الأسد الصاعد: رؤى من حرب إسرائيل"، التي إستمرت 12 يوماً ضد إيران. واعتُبر هذا التقرير، الذي شارك في إعداده ضباط عسكريون أميركيون كبار متقاعدون، بمثابة تحليل للآثار الإستراتيجية والعسكرية لـ"عملية الأسد الصاعد" التي شنتها إسرائيل ضد إيران في حزيران/ يونيو 2025. ويركز على تداعيات الحرب السريعة، وأهمية الردع، والدروس المستفادة، ودور القوة الجوية والتكنولوجيا في الصراع الحديث. حيث أن حرباً قصيرة قد تغيّر الديناميكيات الإقليمية، في ظل الإتجاه نحو الحرب السيبرانية والتكنولوجية المتقدمة.

أولاً : ملخص الرؤى والتوصيات للتقرير

يصف تقرير (جيسنا) "عملية الأسد الصاعد" بأنها "تحفة عملياتية" أعادت تشكيل المشهد الإستراتيجي في الشرق الأوسط وحققت آثاراً إستراتيجية كبيرة، ليس فقط لإسرائيل ولكن للمصالح القومية الأمنية الأميركية أيضاً. وتتمحور الرؤى والتوصيات حول كيفية بناء الولايات المتحدة وإسرائيل على هذا "النجاح" لتعزيز الردع وتعميق التعاون الأمني المشترك ضد التهديد الإيراني.

أ-الرؤى:

1-الحرب القصيرة: أياماً قتالية قصيرة ولكن مكثفة يمكن أن تغير موازين القوى الإقليمية، مع التركيز على فعالية الهجمات الدقيقة والموجهة بدلاً من الغزو الشامل.

2-الردع والتكنولوجيا: هناك أهمية بالغة للردع النووي، وللتكنولوجيا (مسيّرات وحرب سيبرانية) كدور حاسم. وأن على إسرائيل والولايات المتحدة أن تعزز قدراتهما في هذه المجالات لمواجهة التهديدات الإيرانية.

3-أن الرد الإيراني لم يكن تقليدياً، مما يتطلب إستراتيجيات جديدة تتجاوز المواجهات المباشرة إلى إستهداف البنية التحتية والقدرات السيبرانية لإيران.

4- تحول الصراع نحو الحرب الهجينة، حيث يتم دمج الهجمات السيبرانية، والحرب المعلوماتية، والعمليات المحدودة، بدلاً من الحروب التقليدية واسعة النطاق.

ب-التوصيات:

1-تعميق التعاون العسكري الثنائي المشترك وبناء القدرات، من خلال المساعدات العسكرية المكثفة والحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل وتعميق الشراكة الدفاعية الأميركية-الإسرائيلية إلى مستويات غير مسبوقة، منها على سبيل المثال: إستكشاف خيارات التمركز الأميركي في إسرائيل، كـ"قاعدة للنجاح" (في قاعدة عوفدا جنوب إسرائيل-النقب الجنوبي حيث أنها مبنية وفقاً للمواصفات الأميركية ومحمية بالدفاعات الإسرائيلية). والهدف هو توفير خيارات إضافية للقوة الأميركية للإنتشار والعمل بمرونة في المنطقة وما وراءها. وأُعد لذلك تقرير منفصل إعتمدت عليه توصيات"الأسد الصاعد" في الدعوة إلى دمج عسكري اميركي-إسرائيلي أكبر، ولخصوصية قاعدة عوفدا الجاهزة لإستقبال الطائرات الأميركية الكبيرة (مثل طائرات النقل و التزود بالوقود)، وتتميز بوجود مستودعات ذخيرة وأنظمة إتصالات متوافقة مع معايير الناتو.

كما أنها تتمتع بحماية كاملة من منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية المتطورة (آرو-3 ومقلاع داوود)، مما يقلل من الحاجة إلى نشر أنظمة دفاع أميركية مكلفة ومعقدة. كما أنها تتيح للقوات الأميركية خيار "التمركز الدوري" بدلاً من التمركز الدائم، مما يقلل من البصمة العسكرية والسياسية الأميركية، وتمكّن الولايات المتحدة من "تحقيق مسافة وصول أكبر" في المنطقة، لا سيما في الخليج العربي وشرق البحر المتوسط من دون الإعتماد الكامل على قواعد في دول عربية قد تكون أقل إستقراراً في المستقبل.

2-تعزيز تبادل المعلومات الإستخبارية والخطط العملياتية، حيث تتطلب العمليات المستقبلية قدراً أكبر من التنسيق والدمج لضمان توافق الإستراتيجيات الإقليمية والخطط العملياتية الأميركية والإسرائيلية، لمواجهة التهديدات الإقليمية، لا سيما إتجاه إيران واليمن والجهات الفاعلة غير الحكومية مثل حزب الله وحماس والفصائل العراقية المُقاومة.

3-الإستفادة من التكنولوجيا الإسرائيلية، حيث أن الأداء الإستثنائي لأنظمة الأسلحة الإسرائيلية المتقدمة وجمع المعلومات الإستخباراتية القائم على الفضاء (تفوق تكنولوجي حاسم في الحرب الإليكترونية والحرب السيبرانية وإستهداف الأهداف في الوقت الحقيقي: بحسب التقرير)، وقدرات الذكاء الإصطناعي (التي يشار إليها في التقرير بأنها لعبت دوراً محورياً في تحديد سلاسل القيادة الإيرانية المُستهدفة) والحرب الإليكترونية، تفترض أن يصير إلى زيادة دمج هذه التقنيات المتقدمة في التخطيط والعمليات المشتركة مع منصات القيادة والتحكم الأميركية لتحسين عملية صنع القرار المشترك.

كما أوصى التقرير بإنشاء فريق عمل دائم للأمن السيبراني يهدف إلى حماية البنية التحتية الحيوية المشتركة (مثل أنظمة الطاقة والمالية والإتصالات) من الرد الإيراني المحتمل في الفضاء السيبراني.

4-يوصي التقرير بمواصلة الضغط على إيران حتى بعد إنتهاء الحرب، من خلال ما يُطلق عليه "حملة جديدة ما بين الحروب": الإستمرار في موقف هجومي، المحافظة على المبادرة وتجنّب السماح لإيران بفرصة إعادة بناء قدراتها التي أُستهدفت خلال الحرب. و هذه الإستراتيجية هي إمتداد مُطوّر لمفهوم "المعركة بين الحروب" الذي كانت إسرائيل تنفذه لسنوات. الهدف الآن ليس فقط تأخير بناء قدرات إيران و"وكلاءها "، بل منعها وإزالتها بشكل إستباقي ومستمر.

5-تفكيك شبكات إيران العالمية، وإتخاذ إجراءات صارمة لـ"منع شبكات إيران العالمية"، التي تستخدمها لدعم "وكلائها" الإقليميين وتطوير برامجها. وتكثيف الجهود المشتركة الأميركية-الإسرائيلية لإستهداف سلاسل التوريد الجوية والبحرية الإيرانية لمنع نقل "الأسلحة المغيّرة للعبة"، خاصة الصواريخ الدقيقة والطائرات بدون طيار، لمنع إعادة بناء القدرات ومواصلة تدميرها.

6-تجديد وتكثيف الضغط السياسي والإقتصادي على النظام الإيراني، في محاولة لزعزعة الإستقرار وفعالية نظام القيادة.

7-تحويل الإنجازات التكتيكية إلى مكاسب إستراتيجية دائمة، من خلال السعي لإتفاق نووي "مقيد" وقابل للتنفيذ، يتضمن عمليات تفتيش "شاملة وصارمة" من الوكالة الدولية للطاقة النووية، على أن تحتفظ إسرائيل بالقدرة على "الإنفاذ والتعطيل النشط" لمواجهة أي خرق نووي إيراني.

8-إنشاء إطار عمل مشابه لـ"العيون الخمس" (تحالف العيون الخمس هو تحالف إستخباراتي رسمي  يضم 5 دول ناطقة باللغة الإنكليزية، وتم توثيقه بموجب معاهدة بريطانية أميركية للتعاون في مجال إستخبارات الإشارة فك التشفير، والدول الأعضاء فيه هم: الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. والهدف الأساسي للتحالف هو التعاون وتبادل المعلومات الإستخبارية حول العالم وخاصة إستخبارات الإشارات( مع إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة الرئيسيين مما سيسمح للمجموعة من الإستفادة من الوجود الإستخباراتي العالمي لإسرائيل لتعزيز تبادل المعلومات الإستخباراتية وتنسيق العمليات ضد الخصوم المشتركين. وأيضاً تعزيز الردع الإقليمي وتحالفات الأمن، من خلال توسيع وتعميق "إتفاقيات إبراهيم" لتعزيز التعاون الدفاعي الإقليمي، حيث أظهرت الحرب أهمية وجود شبكة دفاع جوي إقليمية. وأكدت على أهمية التنسيق الإقليمي في مواجهة إيران في توفير معلومات إستخبارية أو تسهيلات لوجستية. حيث يمكن العمل"بحسب التوصية" على تسريع إنشاء شبكة دفاع جوي وصاروخي إقليمية متكاملة بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية(سنتكوم) وإسرائيل والدول الموقعة على إتفاقات إبراهيم (الإمارات والبحرين والمغرب). بهدف بناء قبة حديدية إقليمية قادرة على تبادل بيانات التتبع والرؤية المشتركة للتهديدات الصاروخية والطائرات بدون طيار القادمة من إيران أو"وكلاءها". وكذلك زيادة وتيرة ونطاق التدريبات العسكرية المشتركة متعددة الأطراف لتشمل شركاء إقليميين جدد للتدريب على الإستجابة الجماعية للتهديدات.

9-إدراك الفجوات في الفهم، حيث أكد التقرير على أن فهم إسرائيل لضرورة الحرب وأهدافها الإستراتيجية يختلف في "عدة طرق مهمة" عن كيفية رؤيتها في واشنطن. ولذلك، فإن التوعية الإستراتيجية، أي العمل على ضمان توافق مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة من خلال فهم أعمق وواضح للدوافع الإستراتيجية الإسرائيلية من وراء العملية.

ثالثاً: خلاصة:

بشكل عام، يمثّل تقرير (جينسا) دعوة للعمل المشترك والحازم، بالإعتماد على القدرات الإسرائيلية التي ظهرت في عملية "الأسد الصاعد" لتعزيز الردع الإقليمي. و تتمثل الرسالة في أن إسرائيل تستطيع إدارة العديد من المصالح الأمنية الأميركية في المنطقة، ويجب على الولايات المتحدة أن ترد بتعميق الشراكة العسكرية والإستخباراتية لتشمل خيارات تمركز جديدة وضغطاً مستمراً ومنسقاً على إيران.

وتوضح التفاصيل الواردة في التقرير وتوصياته، أنها تتجاوز مجرد تحليل الحرب لتصل إلى مخطط متكامل ل"الردع المستقبلي" يتمحور حول التعاون الوثيق والمُدمج بين الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.


الكاتب: إبراهيم شمس الدين




روزنامة المحور