لم يعد مفهوم "التطبيع" كافياً لتوصيف طبيعة العلاقة القائمة بين أبوظبي وتل أبيب، إذ تكشف الوقائع المتراكمة حتى نهاية عام 2025 أن ما يجري يتجاوز بكثير إطار العلاقات الدبلوماسية التقليدية، ليصل إلى مستوى اندماج وظيفي كامل يمسّ مختلف المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية. فبعد عملية طوفان الأقصى على وجه الخصوص، انتقلت الإمارات من موقع الشريك الدبلوماسي العلني إلى دور أكثر عمقاً، تمثل في التحول إلى ما يشبه "رئة تنفس اصطناعي" لـ"إسرائيل"، عبر توفير بدائل اقتصادية ولوجستية وأمنية مكّنتها من تجاوز الضغوط الناتجة عن الحصار البحري، وتراجع بعض خطوط الإمداد، وتصاعد المقاطعة الدولية.
وتشير معطيات الشحن العالمية والتقارير الاستخباراتية إلى أن الإمارات أسست خلال العامين الأخيرين شبكة إسناد دولية فاعلة لصالح إسرائيل، عملت بكفاءة عالية لتعويض الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الإسرائيلي، ولضمان استمرار تدفق السلع والتكنولوجيا والاستثمارات. وفي هذا السياق، لم تعد أبوظبي تكتفي بأدوات "الدبلوماسية الناعمة"، بل انتقلت تدريجياً إلى ما يمكن وصفه بالتدخل الخشن، سواء عبر التمويل المباشر أو توفير الغطاء السياسي والأمني لتحركات إسرائيل في ساحات متعددة.
وبالنظر إلى المشهد الجيوسياسي العام، يتضح أن الشراكة الإماراتية – الإسرائيلية لم تعد مجرد علاقة تطبيع شبيهة بالنموذجين المصري أو الأردني، بل تحولت إلى تحالف استراتيجي وظيفي عميق يقوم على التكامل لا على التنسيق الظرفي. ففي هذه المعادلة، تبدو إسرائيل الرابح الأكبر، فيما تحتفظ الإمارات بدور "المقاول الأمني" و"الممول الصامت" للتدخلات الإسرائيلية في مناطق تمتد من غرب آسيا إلى أفريقيا. ويستند هذا التحالف إلى رؤية مشتركة للتهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها إيران ومحور المقاومة، حيث يقدّم الطرفان نفسيهما بوصفهما نواة "جبهة شرق أوسطية" جديدة تهدف إلى كبح النفوذ الإيراني وإعادة هندسة التوازنات الإقليمية.
سياسياً، حققت إسرائيل من خلال هذا التحالف اختراقاً غير مسبوق في العالم العربي، إذ نجحت في تحويل دولة عربية ذات وزن مالي وسياسي مؤثر من موقع التواطؤ الصامت إلى موقع الحليف العلني. وقد أتاح ذلك لإسرائيل تخفيف عزلتها الإقليمية، والحصول على غطاء دبلوماسي داخل المحافل الدولية، حيث لعبت الإمارات دوراً نشطاً في تمييع القرارات الأممية، أو تعطيل المبادرات التي تستهدف تحميل إسرائيل مسؤولية قانونية عن جرائمها، مع المساهمة في تسويق روايات بديلة تساوي بين الضحية والجلاد.
أما على الصعيد الأمني والعسكري، فقد منح هذا التحالف إسرائيل عمقاً استراتيجياً غير مسبوق في منطقة الخليج، من خلال الوصول إلى معلومات استخباراتية حساسة تتعلق بالتحركات الإيرانية في الخليج وبحر عمان، فضلاً عن التعاون في مجالات الأمن السيبراني والبنى التحتية الرقمية. كما أسهمت المناورات العسكرية المشتركة، والصفقات التسليحية الكبرى، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي، في دمج المنظومات العسكرية الإماراتية والإسرائيلية ضمن إطار تشغيلي واحد، بما يخلق حالة من الاعتمادية المتبادلة، ويهيئ الأرضية لعمليات مشتركة محتملة في المستقبل.
اقتصادياً، شكّلت الإمارات بوابة حيوية لإعادة إدماج إسرائيل في اقتصاد المنطقة، حيث تحولت أبوظبي ودبي إلى منصتين لانطلاق الشركات الإسرائيلية نحو أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا. وأسهمت اتفاقيات التجارة الحرة والاستثمارات المتبادلة في تحقيق طفرة في حجم التبادل التجاري، فيما لعبت الاستثمارات الإماراتية في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي دوراً محورياً في تعزيز ما يُعرف بـ"وادي السيليكون" الإسرائيلي، مقابل حضور إسرائيلي متزايد في مشاريع الطاقة والمياه والزراعة داخل الإمارات.
وفي المجال الإعلامي والثقافي، حققت إسرائيل مكاسب استراتيجية في حربها الناعمة، مستفيدة من النفوذ الإعلامي الإماراتي لإعادة صياغة صورتها في الوعي العربي. فقد بات الظهور الإسرائيلي في الإعلام الإماراتي أمراً طبيعياً ومكرساً، بما أسهم في كسر صورة "العدو" التاريخي، وفتح المجال أمام خطاب جديد يقدّم إسرائيل كشريك إقليمي محتمل. وترافقت هذه الجهود مع نشاط ثقافي ورياضي وفني مكثف، هدفه إحداث تحول تدريجي في البنية الذهنية للجمهور العربي تجاه القضية الفلسطينية.
وتكشف الوقائع الميدانية أن الدور الإماراتي تجاوز حدود الشراكة ليصل إلى مستوى التبعية الوظيفية، حيث تبنّت أبوظبي توصيف إسرائيل لأعدائها وتهديداتها، وشاركت عملياً في تنفيذ استراتيجية تطويق إيران ومحور المقاومة عبر شبكة تدخلات إقليمية واسعة. فقد لعبت الإمارات أدواراً مباشرة أو غير مباشرة في جنوب اليمن والعراق وإيران والسودان والقرن الأفريقي، وصولاً إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط، مستخدمة أدوات التمويل، والغطاء الدبلوماسي، والنفوذ الاقتصادي، والعمل الاستخباري بالإنابة عن إسرائيل.
وتُظهر هذه التدخلات أن العلاقة بين الطرفين تقوم على معادلة غير متكافئة، عنوانها المال واللوجستيات مقابل التكنولوجيا والحماية واللوبي السياسي في واشنطن. وفي هذا الإطار، تحولت الإمارات إلى "حصان طروادة" مكّن إسرائيل من اختراق ساحات كانت محرّمة عليها تاريخياً، وأسهم في تآكل أدوار القوى العربية التقليدية، ولا سيما مصر والسعودية، لصالح محور جديد تقوده أبوظبي وتل أبيب.
في المحصلة، تشير المعطيات إلى أن التحالف الإماراتي - الإسرائيلي مرشح لمزيد من التعمق، مع تحول إسرائيل، المدعومة بالمال والنفوذ الإماراتي، إلى مرجعية مركزية في صياغة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهو مسار لا يعكس فقط إعادة تموضع إقليمي، بل يؤشر إلى مرحلة جديدة تُدار فيها الصراعات والحروب بالوكالة، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذ على حساب السيادة العربية والقضية الفلسطينية.
الكاتب: غرفة التحرير