في مسار الدول الكبرى والإمبراطوريات الصاعدة، لا يأتي الانكسار غالبًا من نقاط الضعف الواضحة، بل من تلك المناطق التي لا تُرى أصلًا. ما يمكن تسميته بـ "النقطة العمياء" المساحة التي تفرط فيها الدولة بالثقة، وتبالغ في التباهي بها، وتتعامل معها بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل النقاش أو المراجعة. المفارقة أن هذه النقطة تحديدًا، التي يُفترض أنها مصدر الشرعية أو التفوق، تتحول في لحظة تاريخية ما إلى نقطة كسر وانحدار.
النقطة العمياء ليست ضعفًا تقنيًا أو خللًا عسكريًا مباشرًا ظاهراً، بل وهمٌ مستقرّ في وعي النخبة الحاكمة والرأي العام، يُنتج غرورًا سياسيًا وأخلاقيًا، ويُعمي الدول والكيانات عن رؤية التحولات الدولية والأخلاقية والاجتماعية من حولها وكذلك رؤية دورها ومعرفته بوضوح.
كيف تتشكّل النقاط العمياء لدى الدول القوية؟
تتشكّل النقطة العمياء حين تُعيد الدولة إنتاج سردية عن نفسها بوصفها استثنائية أخلاقيًا، حضاريًا، أو تاريخيًا. ومع الزمن، تتحول هذه السردية إلى سردية مسلم بها، لا يمكن أن تخضع للاختبار ولا للمساءلة. وكل نقد يصنف في سياق التهديد لذا تنشأ النقط العمياء من النطاقات المغلقة والمحظورات.
الخطر هنا أن الدولة تبدأ في انتهاج سياسات وسلوك يناقض السردية التي تتباهى بها، من دون أن تنتبه، لأن صورتها عن ذاتها باتت أقوى من الوقائع. وعندما تتراكم الوقائع، ينكشف التناقض دفعة واحدة، وبصورة صادمة.
النقطة العمياء لكيان الاحتلال الإسرائيلي
على مدى عقود، بنى كيان الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أكثر سردياته مركزية أن جيشه "الأكثر أخلاقية" بين الجيوش، وأنه كيان "دفاعي تحكمه القيم الغربية وحقوق الإنسان". هذه السردية لم تكن مجرد خطاب خارجي، بل تحوّلت إلى نقطة عمياء بنيوية داخل الكيان نفسه.
في الحرب الأخيرة على غزة، لم يكن إلحاق الهزيمة بالاحتلال محصوراً فقط في الميدان العسكري أو الأمني، بل ضرب النقطة العمياء الذي قام عليها لسنوات وظن أنها تمنحه "الشرعية" بحد ذاته كان خسارة له وللنظرة المأخوذة عنه لا سيما في الدول الغربية. فمشاهد التجويع، قتل الأطفال، تدمير الأحياء، وإبادة عائلات كاملة تحت الأنقاض أبرزت النفاق الإسرائيلي وتباهيه "بالأخلاق"، وقلبت السحر على الساحر بسقوط القناع وتعرية النقطة العمياء لتصبح نقطة ضعف يواجه بها الكيان ويحارب. ومعها انهار جزء أساسي من القوة التي كان الاحتلال يعتمد عليها لتأمين الغطاء السياسي والدولي.
الولايات المتحدة: "الديمقراطية" كنقطة عمياء
في الحالة الأميركية، تتخذ النقطة العمياء شكلًا مختلفًا لكنها تؤدي إلى نفس الطريق، وانعكاساتها لا تقل خطورة. فالولايات المتحدة التي بنت نفوذها العالمي على فكرة أنها حامية الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن نموذجها السياسي قابل للتعميم بوصفه النموذج الأمثل الذي سيمنح الشعوب حريتها وما تطمح إليه؛ اصطدم اليوم بوقائع متراكمة منها دعم أميركا للأنظمة القمعية الهمجية، ازدواجية المعايير في الحروب، الانحياز الفج في الصراعات، والتآكل الداخلي للديمقراطية نفسها عبر الاستقطاب الحاد، والعنصرية البنيوية، وهيمنة المال على القرار السياسي.
الخطر لا يكمن فقط في هذه الممارسات، بل في إنكارها. فواشنطن لا تزال تتصرف بوصفها المرجعية الأخلاقية للعالم والساعية لتحقيق "السلام" فيه، بينما تشعل المزيد من الحروب وتستقبل بمزيد من التراجع في مصداقيتها الدولية. هذا التناقض، إذا استمر، قد يحوّل "الديمقراطية الأميركية" من مصدر قوة ناعمة إلى عبء استراتيجي، يُسرّع فقدان النفوذ بدل تعزيزه.
نقاط عمياء تاريخية
التاريخ مليء بأمثلة مماثلة. الإمبراطورية الرومانية اعتبرت نفسها خالدة، فانشغلت بالترف والفساد وأهملت التحولات الاجتماعية. الاتحاد السوفياتي تباهى بصلابة أيديولوجيته، ففشل في رؤية التآكل الاقتصادي والسياسي من الداخل. الإمبراطورية البريطانية افترضت أن تفوقها الحضاري يبرر استعمارها، فانقلبت عليها حركات التحرر.
في كل هذه الحالات، لم يكن السقوط مفاجئًا، بل نتيجة تراكم عمى استراتيجي تجاه نقطة كانت تُعد مصدر تفوق.
الدول والكيانات لا تنهار لأنها ضعيفة، بل لأنها لا ترى ضعفها. النقطة العمياء هي لحظة التقاء الغرور بالإنكار، حيث تظن الدولة أنها محصّنة من المساءلة والتاريخ. وما لم تُراجع القوى الكبرى الركائز التي بنيت عليها -وفي أغلبها خاطئة وفيها ادعاء-، فإن أكثر ما تتباهى به اليوم، قد يكون السبب الأعمق لانكسارها غدًا. فما لا يُرى أو يتم تجاهله عن عمى هو غالبًا ما يقرّر المصير.
الكاتب: غرفة التحرير