الجمعة 19 كانون الاول , 2025 03:07

تململ اليمين الأميركي من كلفة دعم "إسرائيل"

شكوك داخل أروقة اليمين حول جدوى دعم "إسرائيل"

لم تكن الإبادة الجماعية في غزة حدثًا صادمًا للرأي العام العالمي فحسب، بل شكّلت لحظة كاشفة داخل الولايات المتحدة نفسها، وخصوصًا في أوساط لم يكن يُتوقع يومًا أن تشكك في الدعم الأميركي المطلق لكيان الاحتلال. فبعيدًا عن أصوات اليسار والنشطاء الحقوقيين، بدأ التململ يظهر داخل التيار المحافظ الأميركي، لا بدافع أخلاقي أو إنساني، بل من زاوية تقوم على حساب المصلحة بشكل بحت. حتى صار السؤال الأكثر تداولاً في هذه الأوساط التي -ترجح كفة المصالح الأميركية على حساب أي شيء آخر على قاعدة "أميركا أولاً"-؛ ما الذي تجنيه الولايات المتحدة من هذا الانخراط المفتوح في حرب لا نهاية لها؟

هذا التحوّل، وإن خلا من التعاطف مع الفلسطينيين أو الاعتراف بحقهم في الحياة، يحمل دلالة سياسية عميقة، لأنه يصدر عن قاعدة لطالما شكّلت العمود الفقري للحماية السياسية لـ "إسرائيل" في واشنطن.

تاريخيًا، لم يكن الدعم الأميركي للكيان، وخصوصًا داخل التيار المحافظ، قائمًا على اعتبارات حقوق الإنسان أو القانون الدولي. بل استند إلى مسلّمتين أساسيتين: أولاهما أن "إسرائيل" تمثّل “أصلًا استراتيجيًا” للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وثانيتهما أن دعمها غير المشروط يعزّز النفوذ الأميركي ويخدم الأمن القومي.

لكن الإبادة الجماعية التي مارستها "إسرائيل" في غزة قلبت هذه المعادلة. فبدل أن يبدو الكيان "رصيدًا استراتيجيًا" لأميركا، بدأ يصور داخل الأروقة المحافظة بوصفه عبئًا سياسيًا وأمنيًا وأخلاقيًا يجرّ واشنطن إلى عزلة دولية ويستنزف مواردها ويهدد أولوياتها الداخلية.

نموذج تاكر كارلسون

يُعدّ الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون النموذج الأوضح لهذا التحوّل. كارلسون، الذي لا يمكن تصنيفه ضمن معسكر مناهضي "إسرائيل" أو المتعاطفين مع الفلسطينيين، انطلق في نقده من موقع قومي محافظ يرفض الحروب الخارجية المكلفة. وهو، بحكم موقعه وتأثيره، لا يخاطب جمهورًا هامشيًا، بل قاعدة واسعة من الأميركيين المحافظين، حيث لا تقل مشاهدات برنامجه عن أربعة ملايين مشاهدة.

انتقادات كارلسون لم تركّز على المجازر أو القانون الدولي، بل على أسئلة مقلقة للمؤسسة الأميركية منها: لماذا تدفع الولايات المتحدة ثمن حرب لا تخدم مصالحها؟ لماذا تُستنزف أموال دافعي الضرائب في دعم صراع إقليمي مفتوح؟ ولماذا تتحمّل واشنطن كلفة الدفاع عن سياسات "إسرائيل" أمام العالم؟

خطورة هذا الخطاب لا تكمن في مضمونه الإنساني، بل في كسره للإجماع السياسي داخل اليمين الأميركي حول "قدسية" الدعم لـ "إسرائيل".

اللافت في هذا التحوّل أن النقاش ليس محدوداً فقط بإنكار الإبادة أو الاعتراف بها، بل في فكرة الانتقال من الدفاع المستميت عن الكيان إلى التعامل معه بالحسابات والأرقام والتكلفة والنتيجة. هذا التحوّل في لغة النقاش مهم للغاية. فحين تُطرح المسألة بصيغة أخلاقية، يمكن للإدارة الأميركية تجاهلها أو تبريرها. أما حين تُطرح من حيث "المصلحة الأميركية" وما تقتضيه، فإنها تدخل مباشرة إلى دوائر صنع القرار كالكونغرس، البنتاغون، وصناديق الاقتراع وتترك أثراً فيها -لعل هذا الأثر برز في نيويورك بفوز زهران ممداني عمدة لها-.

تآكل الإجماع لا يعني تغيّر الموقف

لا يعني هذا التحوّل أن التيار المحافظ بات مناصرًا للفلسطينيين أو معترفًا بحقوقهم. على العكس، ما زال الفلسطيني غائبًا عن مركز الخطاب وكذلك حقوقه وما يتعرض له من اعتداءات يومية على يد الإسرائيليين دون رقيب أو حسيب.

لكن الأهمية تكمن في أن "إسرائيل" لم تعد محصّنة من النقد داخل معسكرها التقليدي. فالدعم لم يعد بديهيًا، بل مشروطًا بمدى خدمته للمصلحة الأميركية. وهذه سابقة سياسية خطيرة بالنسبة لكيان الاحتلال.

كشفت حرب غزة أن الحماية الأميركية لـ "إسرائيل" ليست فطرية كما لطالما رُوّج لها، بل وظيفية قائمة على نتائج تنتظر أميركا تحقيقها. وحين تتعطّل هذه الوظيفة أو يظهر خلل فيها، يبدأ السؤال حول جدوى الاستمرارية بالظهور.

لن ينحاز المحافظون الأميركيون بالطبع إلى الفلسطينيين، لكنهم بدأوا، من حيث لا يقصدون، بتفكيك إحدى الركائز التي تستمد "إسرائيل" منها القوة: الإجماع الأميركي الداخلي.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور