تتناول الدراسة مقاربة نظرية لمفهوم الردع بوصفه أحد الأعمدة الأساسية في التفكير الاستراتيجي والعسكري، وتنطلق من التعريف الكلاسيكي للردع باعتباره آلية تهدف إلى منع الخصم من الإقدام على العدوان عبر إقناعه بأن كلفة الفعل ستفوق أي مكاسب محتملة. وتؤكد الورقة أن الردع ليس مفهومًا ثابتًا، بل عملية ديناميكية تتأثر بالسياق الزمني والمكاني وبطبيعة الفاعلين وتفاعلاتهم، ما يفسر تعدد أنماطه ومستوياته. وفي هذا الإطار، تركز الدراسة على ثلاثة مفاهيم مترابطة: الردع غير المجرّب أو غير المثبت، ردع الدول الصغيرة، والارتداع الذاتي، باعتبارها مفاهيم تكتسب أهمية متزايدة في البيئة الاستراتيجية المعاصرة.
توضح الدراسة أن الردع غير المجرّب يتموضع في منطقة وسطى بين الردع الفعّال وانهيار الردع، إذ يقوم على قدرات أو تهديدات لم تُختبر عمليًا في مواجهة مباشرة. ويستند هذا النوع من الردع إلى افتراضات وتوقعات الخصم، لا إلى سجل تجريبي مثبت، ما يجعل فعاليته مرهونة بدرجة المصداقية أكثر من أي عنصر آخر. وترى الورقة أن غياب التجربة السابقة، أو امتلاك قدرات جديدة، أو تغيّر العقيدة السياسية، أو التعامل مع خصم غير مألوف، كلها عوامل تُنتج هذا الشكل من الردع. وفي الوقت نفسه، يوفّر الردع غير المجرّب مزايا مثل الغموض البنّاء وعنصر المفاجأة، لكنه يبقى هشًّا ومعرّضًا للانهيار في حال فشل الاختبار الأول أو تبيّن ضعف الإرادة السياسية في استخدام القوة.
وتنتقل الدراسة إلى تحليل ردع الدول الصغيرة، معتبرة أن ضعف الموارد العسكرية والاقتصادية لا ينفي قدرة هذه الدول على بناء ردع فعّال. وتؤكد أن الدول الصغيرة تعتمد، بدل القوة الصلبة، على مزيج من الدفاع الشامل، والمرونة المجتمعية، والتحالفات الدولية، والاستراتيجيات غير المتماثلة لتعويض اختلال ميزان القوى. وتبرز الورقة أن التجارب التاريخية للصراعات غير المتكافئة تُظهر أن النصر والردع لا يرتبطان بالقوة المادية وحدها، بل بالعزيمة، وطبيعة الاستراتيجية المتّبعة، وقدرة الطرف الأضعف على جعل كلفة العدوان غير محتملة سياسيًا وأمنيًا للخصم الأقوى. ومن هنا، تُعد استراتيجيات مثل الردع بالإنكار، والردع بالعقاب، والردع غير المتماثل، أدوات مركزية في مقاربة الدول الصغيرة لحماية سيادتها.
أما المفهوم الثالث، الارتداع الذاتي، فتطرحه الدراسة بوصفه ظاهرة معاكسة للردع التقليدي، حيث لا يمتنع الفاعل عن استخدام القوة نتيجة تهديد مباشر من الخصم، بل بسبب مخاوف داخلية ذاتية، قد تكون مبالغًا فيها أو قائمة على تصورات ذهنية أكثر من كونها انعكاسًا دقيقًا للواقع. وتبيّن الورقة أن الارتداع الذاتي يرتبط بعوامل نفسية وسياسية وأخلاقية، وبحسابات تتعلق بردود الفعل الداخلية أو الدولية، ما قد يؤدي إلى تقييد القرار العسكري حتى في حالات امتلاك التفوق أو القدرة. وتحذّر الدراسة من أن الإفراط في الارتداع الذاتي قد يتحول إلى عامل شلل استراتيجي، يتيح للخصوم استغلال التردد والقيود الذاتية المفروضة على القرار السياسي.
وتخلص الدراسة إلى أن المفاهيم الثلاثة تشكّل أدوات تحليلية مهمّة لفهم سلوك الدول والفاعلين في النظام الدولي المعاصر. فالردع غير المجرّب يوفّر أدوات ضغط منخفضة الكلفة لكنه عالي المخاطر، وردع الدول الصغيرة يفتح مسارات بديلة لتعويض الضعف البنيوي، فيما يسلّط الارتداع الذاتي الضوء على دور التصورات والمخاوف في تقييد استخدام القوة. وتوصي الورقة بضرورة توظيف هذه المفاهيم في التحليل الإعلامي والاستراتيجي، وتعزيز الوعي بمخاطر التلاعب بالتصورات، وأهمية بناء المصداقية، واستنهاض العوامل الوطنية والمجتمعية في حماية السيادة وتعزيز القدرة على الردع.
لتحميل الدراسة من هنا