ليس السؤال الذي يطرحه جدعون ليفي في مقاله عن مجزرة شاطئ بوندي هو: لماذا صُدم العالم؟ بل السؤال الأخطر هو: لماذا لا يُصدم حين يجب أن يُصدم؟ ولماذا تتحوّل بعض الجرائم إلى زلازل أخلاقية عالمية، بينما تُختزل جرائم أخرى، أوسع وأشد فتكًا، إلى أرقام باردة في شريط الأخبار؟ هذا السؤال، في جوهره، لا يتعلّق بالأخلاق بقدر ما يتعلّق ببنية السلطة، وآليات الإعلام، وهندسة الوعي الجماعي في النظام الدولي المعاصر.
هرمية الضحايا: حين لا يكون الدم متساويًا
في سيدني، "سقط 15 قتيلًا في هجوم دموي خلال احتفال يهودي". هذا الحدث، بطبيعته، لكن ما يكشفه ليفي، وما ينبغي تفكيكه بعمق، هو الاستجابة العالمية الفورية: إدانات رسمية، تغطيات متواصلة، عناوين عاجلة، وزعماء يتسابقون لإعلان التضامن. في المقابل، كانت غزة – في اللحظة نفسها تقريبًا – تغرق في مشهد يومي من البؤس والموت: أمّ فلسطينية تحاول إنقاذ خيمتها من مياه المطر، بينما تتمزّق خيام الجيران من شدّة الرياح، وتنهار بنايات أُدرجت قسرًا في خانة "الدمار الجزئي" قبل أن تُسقطها الأمطار فوق ساكنيها، وعائلاتٌ بأكملها تتطاير مع خيامها الهشّة تحت عصف الريح، كما لو أنّ اللجوء المؤقّت تحوّل إلى عقوبة جماعية مفتوحة على السماء.
هذا التفاوت ليس عارضًا، بل هو نتاج هرمية غير معلنة للضحايا: ضحايا يُنظر إليهم كجزء من "نحن" الحضارية، وضحايا يُعاملون كضجيج خلفي، كأثر جانبي مؤسف لكنه متوقَّع. في هذه الهرمية، لا يُقاس الألم بعدد القتلى أو وحشية الفعل، بل بهوية الضحية وموقعها في خريطة التحالفات الجيوسياسية.
الإعلام كجهاز أيديولوجي لا كمرآة للواقع
وفق المنطق الذي لطالما حكم أداء الإعلام الغربي، لا تُصنع الأخبار بناءً على حجم المأساة، بل على مدى توافقها مع السردية المهيمنة. مجزرة بوندي صالحة للبث لأنها تؤكد سردية جاهزة: "العنف ضد اليهود"، "الخطر الدائم"، "الحاجة إلى الحماية". أما غزة، فهي إشكالية لأنها تكشف العكس: كيان مدعوم غربيًا يمارس عنفًا منهجيًا ضد شعب أعزل.
هنا، يتحوّل الإعلام من ناقل للواقع إلى فلتر أيديولوجي، يضخّم ما يخدم السلطة ويُهمّش ما يحرجها. لا يعني ذلك أن الإعلام "يكذب" دائمًا، بل إنه ينتقي، يضبط الإيقاع، ويقرّر ما يستحق التعاطف وما يُترك للتعوّد. الموت في غزة لم يعد خبرًا، بل صار "وضعًا قائمًا"، بينما موت آخرين، في أماكن أخرى، يُعامل كخرق استثنائي للنظام الأخلاقي العالمي.
"الدولة" كفاعل إرهابي مُحصَّن من المحاسبة
يلفت ليفي، بوضوح لافت، إلى مفارقة جوهرية: في بوندي، هناك قاتلان. في غزة، هناك دولة وجيش كاملان. ومع ذلك، يُوصَف الأول بـ"الإرهاب"، بينما يُمنح الثاني حق "الدفاع عن النفس". هذه ليست لعبة لغوية، بل آلية سياسية لإعادة تعريف العنف. العنف الذي تمارسه" الدولة" يُجرَّد من صفته الإجرامية ويُعاد تقديمه كضرورة أمنية، حتى عندما يستهدف مدارس، ومخيمات، وأطفالًا.
حين استُشهد ما لا يقل عن 93 فلسطينيًا، بينهم 25 طفلًا، واختفى نحو 40 آخرين تحت الأنقاض، في غارة جوية شنّتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي صباح 29 أكتوبر/تشرين الأول 2024 على مبنى سكني مكوّن من خمسة طوابق لعائلة أبو نصر في مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، حيث كان يقيم داخله نحو 200 نازح معظمهم من النساء والأطفال، لم تُعلَن حالة طوارئ أخلاقية عالمية. لم تُعقَد جلسات استثنائية، ولم تُرفع صور الضحايا في العواصم الكبرى. السبب بسيط وخطير في آن: القاتل "شرعي"، والضحية "مألوفة".
استثمار الدم: من الإدانة إلى الدعاية
ينتقد ليفي بحدة استثمار "الحكومة الإسرائيلية" لهجوم بوندي، ليس فقط للتعاطف، بل لإعادة تدوير خطاب "معاداة السامية" كأداة سياسية شاملة. هنا، تُدمَج وقائع مختلفة في "سلة اضطهاد واحدة"، بحيث يصبح أي نقد لـ "إسرائيل"، أو حتى أي قراءة سياقية للحدث، تهديدًا وجوديًا لليهود ككل.
الأكثر إحراجًا للسردية كان ظهور "البطل" الذي أنقذ يهودًا خلال الهجوم: أحمد الأحمد عربي سوري. هذه الحقيقة، ولو مؤقتًا، عطّلت آلة الاتهام الجاهزة حول "عنف المسلمين الفطري". لكن الارتباك لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما أعيد ضبط الخطاب، وعادت الاتهامات الجاهزة، وكأن الواقع يجب أن يُعدَّل ليتناسب مع القصة، لا العكس.
المعايير المزدوجة كنظام حكم عالمي
الجملة الأكثر قسوة في مقال ليفي – "يا للخسارة لو كان المنفذون فلسطينيين" – ليست سخرية، بل تشخيص دقيق لمنطق النظام الإعلامي والسياسي. فلو كانوا فلسطينيين، لكانت القصة أوضح، والعدو جاهزًا، والمكاسب السياسية مضمونة. هذه الجملة تكشف كيف يُختزل شعب كامل في وظيفة دعائية، وكيف يُستثمر دمه – حيًا أو ميتًا – لخدمة سرديات لا علاقة لها بالعدالة.
حين يصبح الصمت جريمة
في النهاية، ما بين شاطئ بوندي وخيام غزة، لا يوجد فرق أخلاقي في قيمة الحياة، لكن هناك فرقًا سياسيًا في قيمة الضحية. هذا الفرق لا يُفرض بالقوة العسكرية وحدها، بل يُنتَج يوميًا عبر الإعلام، والخطاب السياسي، وصمت "المجتمع الدولي". الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
في عالم كهذا، لا تُمحى مجازر غزة لأنها أقل وحشية، بل لأنها تُهدد السردية التي يقوم عليها النظام. وهذا، في جوهره، هو أخطر أشكال العنف: عنف يجعل المأساة غير مرئية، ويحوّل الدم إلى تفصيل ثانوي في نشرة الأخبار.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]