الجمعة 19 كانون الاول , 2025 03:45

ما بعد التحذير التركي: هل ينهار اتفاق دمج "قسد" وتُفتح أبواب المواجهة؟

آلية تابعة لقسد بجانب آلية عسكرية أمريكية

في ضوء المستجدات السياسية، تبدو الساحة السورية مرشحة في المرحلة المقبلة لموجة جديدة من التوترات، تتمحور أساساً حول العلاقة المتأزمة ما بين الدولة السورية المؤقتة ومن خلفها تركيا وميليشيا قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وما قد يستتبعه هذا الأمر من تدخلات إقليمية ودولية مباشرة وغير مباشرة، في مقدمتها من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، كلٌ وفق مصالحه وحساباته الخاصة.

التحذير الذي أطلقه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أخيراً، لا يمكن قراءته كتصريح عابر أو رسالة إعلامية فقط، بل يعكس تصاعداً حقيقياً في مستوى قلق الدلة التركية من مسار تنفيذ اتفاق العاشر من آذار / مارس الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات "قسد" العسكرية والمدنية ضمن بنية الدولة السورية قبل نهاية العام. ففيدان تحدث بلهجة غير مسبوقة عن "نفاد الصبر"، ملمّحاً بوضوح إلى أن استمرار المماطلة قد يفتح الباب مجدداً أمام الخيارات العسكرية، رغم تأكيد أنقرة المعلن تفضيلها المسار السياسي والتفاوضي.

تنبع حساسية هذا الملف بالنسبة لتركيا من عدة اعتبارات متداخلة. أولها أن "قسد" تشكّل، بنظر أنقرة، امتداداً عضوياً لـ"وحدات حماية الشعب" الكردية المصنفة لديها كقوة "إرهابية"، وثانيها أن سيطرة هذه القوات على مساحات واسعة في شمال شرق سوريا، الغنية بالنفط والقمح والمعابر، تمنحها ثقلاً سياسياً واقتصادياً يتجاوز إطار "قوة محلية"، وثالثها أن أي محاولة لاستثمار الاضطرابات الداخلية السورية – كما حذّر فيدان في سياق أحداث السويداء – تُعد تهديداً مباشراً لمعادلة النفوذ التي تعمل تركيا على ترسيخها بالتنسيق مع السلطة السورية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع الجولاني.

غير أن تعقيد المشهد لا يقتصر على البعد التركي–الكردي–السوري فقط، بل يمتد إلى البعد الدولي. فأمريكا التي لا تزال الداعم الرئيسي لـ"قسد"، عسكرياً وسياسياً، وتعتبرها شريكها الأساسي في شمالي شرق سوريا، خصوصاً في ملفات "مواجهة تنظيم داعش الوهابي الإرهابي" والسيطرة على الموارد النفطية المستخرجة من تلك المنطقة. وبالتالي، فإن أي تصعيد عسكري تركي محتمل سيضع واشنطن أمام معضلة حقيقية بين الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع أنقرة، العضو في حلف شمالي الأطلسي "الناتو"، وبين حماية نفوذها وأدواتها على الأرض السورية.

أما إسرائيل، فهي المستفيد الصامت – وربما النشط – من أي صراع داخلي جديد في سوريا، لا سيما إذا كان بين الأكراد والدولة السورية المؤقتة المدعومة تركياً. فإضعاف سلطة الجولاني، وتشتيت الجبهات، واستنزاف المكونات السورية، يصب مباشرة في مصلحة تل أبيب التي ترغب منذ عقود، في تفتيت البلاد الى كيانات متحاربة. وفي هذا الإطار، قد تجد إسرائيل في تصاعد التوتر بين "قسد" وتركيا فرصة لتعميق اختراقها السياسي والأمني، سواء عبر الضربات أو عبر القنوات غير المباشرة.

3 مسارات للأمور

ومع تبقّي أقل من أسبوعين على مهلة تنفيذ اتفاق 10 آذار / مارس، بين دمشق وقسد، تبرز توقعات بطرح 3 مسارات لمستقبل الاتفاق: عقد اجتماعات حاسمة للتطبيق العملي والاندماج التدريجي لـ"قسد" في بنية الدولة، أو التوافق على التمديد لمنح فرص إضافية حتى تسوية الخلافات بين الجانبين، أو أخطر المسارات وهو التوجه نحو الحسم العسكري من جانب سلطة الجولاني لفرض سيادتها على شرق وشمال شرق البلاد بالقوة.

مفترق طرق حساس

خلاصة القول إن سوريا تقف عند مفترق طرق حساس من جديد. ففشل تنفيذ اتفاق الدمج، أو المضي في سياسة التسويف، قد يدفع نحو تصعيد تركي، وردود فعل كردية، وتدخلات أميركية، واستثمار إسرائيلي للفوضى. أما نجاح المسار التوافقي، فيبقى رهناً بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات حقيقية، وهو أمر لا تبدو مؤشراته مطمئنة حتى الآن.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور