السبت 20 كانون الاول , 2025 11:42

خارج اللعبة الكبرى: أوروبا وتراجع تأثيرها

رؤساء الدول الأوروبية

في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة والإقليم إضافة إلى أوروبا على حدّ سواء، بات الشكل والدور الأوروبي في المنطقة يتراجع بشكل واضح، بفعل كثرة الأزمات في أوكرانيا مثلاً والانقسامات عبر الأطلسي وسياسات واشنطن التي تدفع أوروبا إلى هامش القرار وكذلك ضعف الموقف الأوروبي تجاه الإبادة في غزة. ومع استمرار التصعيد في الإقليم، وعدم تنفيذ الاتفاق لا في لبنان ولا في غزة كذلك سوء التعامل مع الملف النووي الإيراني. يبرز السؤال بحسب مقال نشرته صحيفة "ذا غارديان" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ حول إمكانية عودة أوروبا لتأدية دور فعّال ومستقل في المنطقة. ويستعرض المقال تراجع مسار الدور الأوروبي في "الشرق الأوسط"، وكيف يمكن أن يعود اليوم، مع التركيز على التحديات والفرص في لبنان وسوريا وإيران.

النص المترجم:

بعد عام على الإطاحة ببشار الأسد، خاطب الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان مقاتلًا جهاديًا سابقًا، منتدى الدوحة في وقتٍ سابق من هذا الشهر، متصدّيًا للأسئلة المتعلقة بماضيه المثير للجدل، وشارحًا المسار المعقّد الذي تسلكه بلاده نحو نظام تشاركي قائم على القواعد. وبينما كنت أستمع إليه، لفتني أنه، رغم تضرّر دور أوروبا في الشرق الأوسط بشكل بالغ نتيجة موقفها غير الأخلاقي من حرب غزة، واستبعادها الذاتي من مسار الدبلوماسية النووية مع إيران، لا يزال للأوروبيين دور يمكن أن يؤدّوه عندما يتعلّق الأمر بجيرانهم في شرق البحر الأبيض المتوسط.

انقلب عالم أوروبا رأسًا على عقب بفعل اصطفاف واشنطن إلى جانب موسكو في حرب أوكرانيا، وبسبب الشرخ العميق عبر الأطلسي مع إدارة ترامب التي تتعامل مع أوروبا بوصفها خصمًا لا حليفًا. ويضاف إلى هذا الاضطراب بُعدٌ آخر يتمثل في تراجع أهمية أوروبا المتزايد في الشرق الأوسط. ولن يكون بمقدور الأوروبيين استعادة دور مستقل وبنّاء في المنطقة، إلا إذا أقرّوا بأن الماضي قد انتهى ولم يعد صالحًا للاستعادة.

فبعد أزمة السويس عام 1956، التي شكّلت نهاية الهيمنة الاستعمارية الأوروبية على الشرق الأوسط، رضخ الأوروبيون لدور ثانوي خلف الولايات المتحدة. كانت واشنطن هي من تمسك بزمام القرار، ولم تكن الحكومات الأوروبية ولا الرأي العام في القارة دائمًا على وفاق معها، كما ظهر بوضوح خلال حرب العراق عام 2003. ومع ذلك، اعتادت الولايات المتحدة دعوة أوروبا لدعم مبادراتها، وفي نهاية المطاف كانت أوروبا تمتثل.

لقد جعل العقد الاجتماعي الذي قام عليه التحالف عبر الأطلسي — حيث احتمت أوروبا تحت المظلة الأمنية الأميركية — هذه المعادلة مقبولة. ولم يكن ذلك يعني أن الحكومات الأوروبية كانت بلا تأثير في الشرق الأوسط؛ إذ لعبت أدوارًا محورية خلال مسار أوسلو للسلام، من خلال دعم منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها نواة لدولة قيد التشكّل. وأكثر من ذلك، دفعت الدبلوماسية الأوروبية بصبر نحو جهود متعددة الأطراف أثمرت في نهاية المطاف عن الاتفاق النووي مع إيران. غير أن دور أوروبا، في كل هذه المحطات — حتى عندما كان على خلاف مع واشنطن — ظلّ موجّهًا لدعم القيادة الأميركية في المنطقة، مع محاولة "كبح جماح نزعتها الهيمنية". أحيانًا نجحت أوروبا في ذلك، وغالبًا أخفقت، لكن الإطار السياسي العام بقي على حاله.

ومع ذلك، لم يعد ذلك الإطار قائمًا. فقد انسحبت أوروبا فعليًا من الشرق الأوسط، منشغلة بالحرب الدائرة على أرضها. ولم يؤدِّ الصراع في أوكرانيا إلى استنزاف معظم طاقة أوروبا في السياسة الخارجية فحسب، بل شوّه أيضًا منظورها السياسي تجاه الشرق الأوسط. فالحصول على الدعم الأميركي في ملف أوكرانيا، ولا سيما في ظل دونالد ترامب، تطلّب من الأوروبيين قبولًا غير نقدي للسياسات الإقليمية لواشنطن، بما في ذلك القصف غير القانوني لإيران.

في المقابل، لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى أوروبا على أنها شريكها الأساسي في الشرق الأوسط. فمع صعود فاعلين إقليميين، ولا سيما دول الخليج وتركيا، باتت واشنطن تتعامل مباشرة مع الرياض أو الدوحة أو أبو ظبي أو أنقرة. وكان تهميش أوروبا واضحًا بالفعل خلال إدارة جو بايدن، إلى حدّ كبير نتيجة تلاشي أهميتها بفعل خياراتها الذاتية. أما في عهد ترامب، فقد أصبح هذا الإقصاء تلقائيًا، في ظل سعي إدارته إلى دفع أوروبا أكثر فأكثر نحو الهامش.

ولا يبدو أن اللاعبين الإقليميين يتطلعون بلهفة إلى عودة أوروبا. والأهم من ذلك أن رفضها العنيد وغير الأخلاقي استخدام نفوذها لوضع حد للحرب الإسرائيلية المدمّرة على غزة أطاح بما تبقّى لها من مصداقية. وعندما صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بصراحة بأن "إسرائيل" تقوم بـ "العمل القذر" عن أوروبا في مهاجمة إيران، سقطت كل الأقنعة. لم تعد أوروبا تُتّهم بازدواجية المعايير؛ بل بات يُنظر إليها، مع استثناءات محدودة مثل إسبانيا والنرويج وإيرلندا وأحيانًا فرنسا، على أنها بلا معايير أصلًا. فلا نفوذ يُذكر ولا مبدأ يُحتكم إليه: لقد مُسحت أوروبا ببساطة من الخريطة.

اليوم، لا تنبع أي آمال بوقفٍ دائم لإطلاق النار في غزة، أو حتى بإحراز تقدّم نحو قيام دولة فلسطينية، من الجهود الأوروبية. فما زال القادة الأوروبيون يختبئون خلف "خطة السلام" التي يطرحها ترامب، متجنبين استخدام أي أوراق ضغط قد يمتلكونها تجاه "إسرائيل". الأمل المحدود القائم اليوم يأتي من وساطة قطر، مع أدوار محورية تؤديها تركيا والسعودية ومصر. وبالمثل، إذا ما استؤنفت الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران في المستقبل، فلن تكون الحكومات الأوروبية في موقع قيادة هذا المسار. فقد قوّضت مجموعة "اي 3" — فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة — موقعها بنفسها عندما فعّلت آلية "سناب باك" لإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، ما أدى عمليًا إلى إنهاء الاتفاق النووي، الذي كانت من أبرز الجهات التي أسهمت في التوصل إليه.

وأي تقدم في الوقت الراهن يعتمد على التقارب بين دول الخليج وإيران، وخصوصًا الدور المحتمل للسعودية في تسهيل المحادثات بين واشنطن وطهران. وباختصار، في القضايا الأكثر إلحاحًا في الشرق الأوسط — النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وإيران — يمكن للحكومات الأوروبية، في أفضل الأحوال، دعم جهود دول الخليج للتأثير على ترامب. وهذا الدعم مهم، لا سيما في غزة، حيث قد ينهار وقف إطلاق النار الهش إذا توقفت خطة ترامب. لكن دور أوروبا في المنطقة قد تراجع ليصبح في المرتبة الثالثة فقط.

ومع ذلك، يظل الشرق الأوسط جارًا لأوروبا، ومن السذاجة افتراض أن الأوروبيين يمكن أن يبقوا منفصلين عن الأحداث إلى ما لا نهاية. ومع تقلص هامش التحرك لديها، يجب على أوروبا أن تركز على "بلاد الشام" الأوسع وخصوصًا لبنان والعراق وسوريا. لبنان يمر بعملية "إصلاح معقدة"، مع تهديد دائم بالحرب في ظل استمرار "إسرائيل" في احتلال خمسة مواقع في البلاد. وسوريا لا تزال هشة وهي تحاول التوفيق بين العدالة والتماسك الاجتماعي، في مواجهة "إسرائيل" التوسعية والعدوانية.

باستثناء سوريا، حيث أبدى ترامب بعض الاهتمام — بما بلغ ذروته في زيارة الشرع إلى واشنطن — فإن الولايات المتحدة ليست منخرطة بشكل خاص في لبنان أو العراق. وعلى الرغم من أهمية الفاعلين الإقليميين، سواء لتأثيرهم الأمني (مثل تركيا في سوريا) أو لدعمهم الاقتصادي (مثل دول الخليج)، هناك فراغ يمكن لأوروبا أن تساهم في سدّه.


المصدر: The Guardian

الكاتب: Nathalie Tocci




روزنامة المحور