يكشف التصعيد الأخير في شرق اليمن، عن تحوّل نوعي في طبيعة الصراع داخل المعسكر السعودي-الاماراتي، حيث بات الخلاف يلامس حدود المواجهة العسكرية بين قوى إقليمية يفترض أنها تقف في خندق واحد. فحشد قوات مدعومة من السعودية على الحدود اليمنية، مقروناً بتهديدات مباشرة بشن غارات جوية ضد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، يشير إلى أن الصبر السعودي على التمدد المدعوم إماراتياً بلغ مرحلة حرجة.
وفق المعطيات المتداولة، تحشد الرياض نحو 20 ألف مقاتل من قوات تُعرف باسم "درع الوطن" في منطقتي الوديعة والعبر، في رسالة لا لبس فيها بأن السيطرة الأحادية على حضرموت والمهرة تمثل تجاوزاً للخطوط الحمراء السعودية. فهذه المناطق لا تقع فقط ضمن العمق الجغرافي المتاخم للحدود، بل تشكّل أيضاً ركيزة أمنية واقتصادية في أي تصور سعودي لمستقبل اليمن.
في المقابل، يواصل المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من دولة الإمارات، الاستثمار في تقدمه العسكري السريع شرقاً لرفع سقف مطالبه السياسية، واضعاً مشروع إعادة تقسيم اليمن إلى دولتين على رأس أولوياته. السيطرة على حضرموت والمهرة تمنح المجلس ورقة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ تمثل حضرموت وحدها نحو 36% من مساحة اليمن، وتضم أكبر احتياطيات النفط، فضلاً عن موانئ حيوية كميناء المكلا والشحر وميناء تصدير النفط في الضبة.
غير أن هذا التمدد لا يواجه فقط رفضاً سعودياً، بل يصطدم أيضاً بتعقيدات داخلية جنوبية لا يمكن تجاوزها. فالجنوب، الذي يقدّمه المجلس بوصفه كياناً متجانساً قابلاً للانفصال، يعاني في الواقع من تشرذم سياسي وقبلي واضح، لا سيما في حضرموت التي تمتلك تاريخاً طويلاً من الاستقلال النسبي وخصوصية سياسية تجعلها أقل قابلية للخضوع لمراكز نفوذ وافدة من عدن أو غيرها.
التحذيرات الأممية تعكس بدورها إدراكاً متزايداً لخطورة هذا المسار. اذ نبّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى أن أي عودة واسعة للقتال في اليمن لن تبقى محصورة داخل حدوده، بل قد تمتد إلى البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، مهددة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. كما شدد على أن الإجراءات الأحادية، سواء كانت توسعاً عسكرياً أو فرض أمر واقع سياسي، لا تفتح طريق السلام، بل تعمّق الانقسامات وتسرّع التفكك.
الموقف الدولي، بما فيه البريطاني، لا يزال متمسكاً بخيار الإبقاء على اليمن موحداً، ولو ضمن صيغة اتحادية، وهو خيار مشروط بالتوصل إلى تسوية شاملة لتقاسم السلطة بين الشمال والجنوب. إلا أن هذا الطرح يصطدم برؤية المجلس الانتقالي، الذي يقدّم مشروع الانفصال باعتباره حلاً أمنياً إقليمياً، قادراً على حماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر. لكن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أساسية، اذ أنه لا يمكن بناء حصن إقليمي على أرض منقسمة سياسياً واجتماعياً.
رفض المجلس الانتقالي الانسحاب من حضرموت والمهرة، وتوسيع انتشاره إلى أبين، فاجأ الرياض التي كانت حتى وقت قريب اللاعب الأكثر نفوذاً في إدارة توازنات المعسكر المناهض لصنعاء. هذا الرفض لا يهدد فقط صيغة تقاسم السلطة الهشة داخل مجلس القيادة الرئاسي، بل يفتح الباب أمام صدام غير مباشر بين قوتين إقليميتين رئيسيتين، لكل منهما أدواتها ووكلاؤها على الأرض اليمنية.
بالتالي، تبدو حضرموت مرشحة لأن تتحول من ساحة نفوذ متنازع عليها إلى مركز اختبار حاسم لمستقبل اليمن السياسي. فإما أن تنجح القوى الإقليمية في احتواء هذا التصعيد وإعادة ضبط الإيقاع داخل معسكرها، أو أن ينزلق اليمن مجدداً إلى صراع داخلي دموي جديد، في سلسلة أطماع الدول الخارجية بثروات اليمن وموقعه الجغرافي الاستراتيجي على مختلف الأصعدة.
الكاتب: غرفة التحرير