السبت 20 كانون الاول , 2025 11:47

صفقة الغاز "التاريخية": قيد إسرائيلي آخر يلتف حول عنق المصريين

في توقيت بالغ الحساسية سياسياً وإقليمياً، أُقِرّت صفقة الغاز الموسَّعة بين مصر وكيان الاحتلال، ووصفت في تل أبيب بـ"التاريخية"، لما تعكسه من تداخل عميق بين الطاقة والسياسة والضغط الدولي. فالصفقة، التي تبلغ قيمتها التقديرية نحو 112 مليار شيكل، وتمتد حتى عام 2040 أو استنفاد الكميات المتفق عليها، لم تكن نتاج توافق طبيعي بين الطرفين بقدر ما كانت نتيجة مسار ضاغط قادته الولايات المتحدة لإخراجها إلى حيّز التنفيذ، بعد أشهر من التردّد الإسرائيلي والاعتراضات السياسية والأمنية.

جوهر الاتفاق يقوم على تعديل اتفاق تصدير الغاز القائم، عبر إضافة نحو 4.6 تريليونات قدم مكعب من الغاز الطبيعي، تُضَخ على مرحلتين، الأولى فورية والثانية مشروطة باستثمارات إضافية في البنية التحتية. ويذهب جزء وازن من عائدات الصفقة إلى خزينة كيان الاحتلال، فيما تتوزع الحصة المتبقية على الشركات المشغلة، وفي مقدمتها شركة "شيفرون" الأميركية. هذا التفصيل وحده كافٍ لفهم سبب التحوّل المفاجئ في الموقف الإسرائيلي، بعدما كان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قد رفض التصديق على الاتفاق في أيلول/سبتمبر 2025، ملوّحاً بتجميده أو إلغائه بذريعة التحركات العسكرية المصرية في شمال سيناء.

غير أن مسار الأحداث، كما تعكسه المعطيات المتاحة، يشير بوضوح إلى أن العامل الأساس لم يكن زوال التحفظات الأمنية الإسرائيلية، بل دخول الولايات المتحدة بثقلها السياسي. فبحسب ما نُقل عن أوساط اقتصادية وإعلامية إسرائيلية، فإن استمرار المفاوضات كان سيخدم مصلحة الكيان بشروط أفضل، لولا ضغط مباشر قادم من واشنطن مرّ عبر القنوات السياسية العليا، وعلى رأسها نتنياهو ووزير الطاقة إيلي كوهين. بل إن توصيفاً لافتاً نُقل عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلخص المشهد أنه بمجرد أن أراد الاتفاق، انتهت القصة.

دوافع واشنطن لا تنفصل عن شبكة مصالح متشابكة. أولها حماية استثمارات شركات الطاقة الأميركية العاملة في حقول الغاز، وفي مقدمتها «شيفرون»، ومنع أي اهتزاز في ترتيبات الطاقة بشرق المتوسط. ثانيها، يتصل بالاستراتيجية الأميركية الأوسع الرامية إلى تقليص الاعتماد الإقليمي على الغاز الروسي، وتعزيز النفوذ الأميركي في سوق الطاقة عبر ربط دول المنطقة بشبكات تصدير وإمداد تدور في الفلك الأميركي.

من الجانب المصري، جرى تقديم الصفقة رسمياً على أنها اتفاق تجاري بحت، يخضع لقواعد السوق وآليات الاستثمار الدولي، ويهدف إلى تعزيز موقع مصر كمركز إقليمي لتداول الغاز. إلا أن هذا الخطاب يصطدم بواقع يصعب تجاهله. فخلال حرب الإبادة الاسرائيلية على غزة، استخدم كيان الاحتلال ملف الغاز كورقة ضغط سياسية، وأوقف الإمدادات أكثر من مرة بذريعة الصيانة، بالتزامن مع تصعيد إعلامي وسياسي ضد القاهرة، وطرح علني لمخططات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. في هذا السياق، يصبح الادعاء بوجود "صفقة غير سياسية" لا يمثل الواقع ولا يتشابه معه.

وتكشف تصريحات منسوبة لمسؤولين مصريين أن القاهرة لا تملك هامشاً واسعاً لمواجهة الغضب الأميركي، ولا ترغب في عزوف الشركات الأميركية عن الاستثمار في قطاع الغاز، خصوصاً في ظل ملفات شائكة موازية، تتعلق بترسيم الحدود البحرية مع تركيا وليبيا واليونان وقبرص، وبالتوازي مع مساعٍ أميركية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب وتثبيت تهدئة إقليمية أوسع.

في المقابل، سُوّقت الصفقة داخل كيان الاحتلال باعتبارها إنجازاً اقتصادياً واستراتيجياً، مع وعود بإيرادات ضخمة للخزينة وضمان أسعار مناسبة للمستهلكين. غير أن الجدل الداخلي لم يُحسم، إذ أبدت أوساط اقتصادية وبيئية شكوكاً جدية حول انعكاس الاتفاق على أسعار الكهرباء وأمن الطاقة، محذّرة من مخاطر تصدير مورد طبيعي محدود على المدى الطويل.

تكشف صفقة الغاز بين مصر وكيان الاحتلال أنها حلقة في مسار أوسع تُعاد فيه هندسة التوازنات الإقليمية تحت مظلة الضغط الأميركي. صفقة تفتح في الوقت نفسه أسئلة استراتيجية عميقة حول السيادة الاقتصادية، وأمن الطاقة، وحدود الفصل بين ما هو تجاري وما هو سياسي في منطقة لم تعرف يوماً مثل هذا الفصل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور