يرصد التقرير التطور الكامل لدورة التصعيد المتبادلة بين إيران والكيان الصهيوني، بدءاً من سلسلة الاغتيالات الاستهدافية في سوريا، مروراً بالردود الإيرانية عبر عمليات "الوعد الصادق"، ووصولاً إلى ذروة المواجهة المباشرة في "حرب الـ12 يوماً".
تسلسل زمني للتصعيد
تشكلت بدايات هذه الاشتباكات من سلسلة إجراءات عدائية للكيان الصهيوني قبل الهجوم على المبنى المجاور للقنصلية الإيرانية في دمشق. ففي 25 ديسمبر 2023، استشهد السيد رضي الموسوي في منطقة السيدة زينب بدمشق. وبعدها في 20 يناير 2024، تعرض صادق أميدزاده، رئيس قسم الاستخبارات في قوة القدس، مع فريقه لهجوم في دمشق. بلغ هذا المسار ذروته في 2 أبريل 2025 بالهجوم على المبنى المجاور للقنصلية، الذي أدى إلى استشهاد اللواء زاهدي واللواء الحاجي رحيمي، مما ألحق ضربة تنظيمية جدية بقوة القدس في سوريا.
وردت الجمهورية الإسلامية في فجر 14 أبريل 2025 بعملية "الوعد الصادق 1"، التي شملت إطلاق 170 طائرة مسيرة انتحارية و150 صاروخاً متنوعاً، تم اعتراض جزء كبير منها. وبعد خمسة أيام، نفذ الكيان الصهيوني هجوماً محدوداً على بعض المناطق الإيرانية مثل أصفهان.
استمر التصعيد مع اغتيال إسماعيل هنية في 31 يوليو 2025 في طهران، وذلك بعد ساعات من استهداف مركز قيادة عمليات حزب الله في بيروت الذي أدى إلى استشهاد القائد فؤاد شكر. ثم، في 27 سبتمبر 2025، تم اغتيال سيد شهداء المقاومة في جنوب بيروت، لتنفذ إيران بعد أربعة أيام عملية "الوعد الصادق 2" التي كانت أكثر جدية وشملت استخدام صاروخ "فتاح 1" للمرة الأولى. رد الكيان الصهيوني في 26 أكتوبر 2025 بهجوم ناجح على بعض أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية.
أخيراً، في 12 يونيو 2025، بدأت عملية "الوعد الصادق 3" ردا على هجوم مفاجئ من الكيان الصهيوني، مما أشعل حرباً مباشرة استمرت 12 يوماً وشهدت استخدام 574 صاروخاً وما يقرب من ألف طائرة مسيرة، وانتهت في 23 يونيو 2025.
تحليل الأزمة: هدوء مؤقت أم هدوء ما قبل العاصفة؟
بالاستناد إلى نموذج الباحث "مايكل بريتشر" لتحليل الأزمات الدولية، فإن التوتر الحالي بين إيران والكيان الصهيوني يمر بمرحلة انحسار مؤقت لمستوى التوتر بعد تجاوز الذروة التي مثلتها حرب الـ12 يوماً. يمر النزاع، وفق النموذج، بمراحل تبدأ بشرارة استفزازية، ثم تصعيد، تليها ذروة، ثم انحسار نحو توازن قد يكون مؤقتاً يمهد لأزمة تالية.
يشير استمرار عمليات الاغتيال ضد قادة حزب الله (مثل السید هيثم الطباطبائی) وأعضاء لواء رضوان وقادة حماس (مثل رائد سعد) في الأشهر الماضية إلى أن دورة الأزمة في المنطقة لا تزال نشطة. لقد مثلت حرب الـ12 يوماً أزمة دولية حقيقية طبقاً لعناصر بريتشر: تهديد القيم الحيوية للأطراف (كالأمن والردع)، والتقييد الشديد للوقت لاتخاذ القرار بسبب الهجوم المفاجئ، واضطرار الأطراف لاستخدام القوة لعدم وجود بديل. وبالتالي، فإن الوضع الحالي يمثل "سكوناً" مؤقتاً قابلاً للانفجار مجدداً بأي شرارة جديدة.
نتائج الحرب: إخفاقات إسرائيلية متعددة
كشفت حرب الـ12 يوماً عن سلسلة إخفاقات استراتيجية للكيان الصهيوني:
1. انهيار أسطورة الاعتماد على الذات الدفاعي: حيث تم الاعتراض الفعال لجزء كبير من الصواريخ الباليستية الإيرانية عبر الأقمار الصناعية الأمريكية، وكشف الاعتماد المطلق للجيش الإسرائيلي على الدعم الاستخباراتي والعسكري الأمريكي. نشر أنظمة "ثاد" الدفاعية الأمريكية باهظة الثمن يؤكد أن أمن إسرائيل خط أحمر في السياسة الأمريكية.
2. الفشل الإعلامي: حيث تحولت الصورة الدولية للكيان من "ضحية" إلى "معتدٍ عاجز"، وساهمت وسائل إعلام مثل الجزيرة وتيك توك بشكل حاسم في نقل الرواية الحقيقية للأحداث.
3. تآكل الردع القائم على التفوق التكنولوجي: أظهرت الحرب عدم كفاءة الجهاز الاستخباري الإسرائيلي (الموساد) في تقدير القدرة الهجومية الحقيقية لإيران، كما برهنت الضربات الدقيقة التي استهدفت مصفاة حيفا ومناطق فائقة الأمن في تل أبيب على ذلك.
4. إثبات قابلية إسرائيل للإصابة: على الرغم من أنظمتها الدفاعية المتقدمة، فقد أظهرت عدم قدرتها على خوض حرب على جبهات متعددة في وقت واحد، وتجنبت التصعيد الشامل مع حزب الله طالما منشغلة في غزة.
5. أزمة الداخلي والشرعية: حيث ساهمت الهوة الاجتماعية والسياسية العميقة بين التيارات المختلفة، واحتجاجات الحريديم ضد الحرب، في إضعاف الشرعية الداخلية للحكم.
التحول الاستراتيجي الإيراني: إعادة تشكيل الأولويات
دفعت الحرب على إيران إلى إعادة تقييم استراتيجياتها، وأبرزت التحولات التالية:
1. مرحلة جديدة في إدارة القوة واتخاذ القرار: حيث نفذت عملية عسكرية جادة مباشرة (الوعد الصادق 3) دون الاستفادة المباشرة من القدرات الإقليمية للوكالة، مما يشير إلى تطور في آليات صنع القرار الاستراتيجي.
2. تغير النظرة لمحور المقاومة: لم يعد يُنظر إلى فاعلي المقاومة (كحزب الله وأنصار الله والحشد الشعبي) مجرداً كأدوات قوة بالوكالة، بل كـ"أسيجة دفاعية أخيرة" لإيران في المنطقة، وهو تحول جوهري في الإستراتيجية الدفاعية.
3. السعي لتعويض نقاط الضعف التقنية: دفع الضعف في الأسطول الجوي الفعال إيران إلى السعي لتطوير تعاونها العسكري مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، للحصول على أنظمة دفاع جوي ومعدات هجومية متطورة.
4. الانتقال من "زيادة التوتر" إلى "إدارة القرار" في الأزمات: وهو إنجاز استراتيجي مهم في أدبيات إدارة الأزمات، يمنح إيران قدرة أكبر على المناورة في الظروف الحرجة.
المستقبل والسيناريوهات: من "السلام المسلح" إلى "الواقعية الذكية"
يطرح المستقبل عدة سيناريوهات محتملة للمواجهة القادمة:
1. العودة إلى الحرب المباشرة: احتماله منخفض لكنه ممكن، وتعمل عليه تيارات متشددة داخل "إسرائيل"، لكنه يواجه معارضة داخلية وإقليمية ودولية، وعدم يقين من رد الفعل الإيراني.
2. الصبر الاستراتيجي الإيراني: حيث تتجنب إيران الحرب المباشرة وتعتمد دبلوماسية تكتيكية لانتظار تحولات جديدة في النظام الدولي، لهذا السيناريو محدداته الخاصة.
3. التوجه نحو السلاح النووي: احتمال ضعيف جداً نظراً للعوائق الفنية والتشغيلية الهائلة والتعقيدات السياسية.
4. السلام المسلح والحرب الهجينة: هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر الاشتباكات على مستويات متعددة دون حرب مفتوحة (حرب معلوماتية، سيبرانية، اغتيالات، عمليات بالوكالة محدودة)، مما يحافظ على منطقة في حالة عدم استقرار مُتحكم به.
5. الصراع المحدود والمتحكم به: يشبه السيناريو السابق مع فروق في مستوى الإجراءات، وهو استمرار للوضع القائم باحتمال عالٍ.
إجراءات استراتيجية مقترحة لإيران:
1. تعزيز التماسك الوطني والوحدة الاجتماعية كمصدر رئيس للقوة.
2. تطوير "الردع الهجين" المتزامن في مجالات الصواريخ، والأسطول الجوي، والقدرات السيبرانية والاستخبارات الهجومية.
3. "الإدارة النشطة للأزمة" والحفاظ على قنوات اتصال غير رسمية حتى في ذروة التوتر.
4. الاستفادة النشطة من الآليات والمؤسسات الدولية لتعزيز المناورة الدبلوماسية.
5. تصميم آليات متقدمة لمواجهة التهديدات الجديدة (كالاغتيال، الطائرات المسيرة، الاختراق) عبر تعزيز البنى التحتية الأمنية والمعلوماتية.
خارطة طريق نظرية: نحو "واقعية ذكية"
كخاتمة تحليلية، يقدم إطاراً نظرياً مقترحاً للسياسة الخارجية الإيرانية تحت عنوان "الواقعية الذكية"، المتمحورة حول ستة مبادئ:
1. تعزيز القوة الوطنية مع أولوية للتكنولوجيا والمعرفة.
2. التفاعل الذكي مع المجتمع الداخلي.
3. تعددية أقطاب مرنة في السياسة الخارجية.
4. تقليل المخاطر إلى الحد الأدنى.
5. الاعتماد المتبادل المتحكم به.
6. إضفاء الطابع الاجتماعي لمنطق المقاومة كإطار للفعل الاستراتيجي في البيئة الدولية المعقدة.
هذا الإطار يهدف إلى توجيه السياسة الإيرانية في بيئة إقليمية ودولية لا تزال متوترة وقابلة للاشتعال، مع استخلاص الدروس من دورة التصعيد الماضية واستشراف احتمالات المستقبل.
كاتب وباحث سياسي من إيران.
عضو الهيئة الأكاديمية لمعهد الإمام الخميني (رض) والثورة الإسلامية.