الإثنين 22 كانون الاول , 2025 02:11

الحروب المتصاعدة تستهدف الأمومة

تحقيق الغارديان: وقوع ما لا يقل عن 119 هجومًا مباشرًا على المستشفيات وغرف الولادة

تشهد النساء الحوامل في مناطق الحروب حول العالم مستويات غير مسبوقة من العنف والمعاناة، حيث أصبحت مستشفيات الولادة هدفاً للهجمات المباشرة، ما يزيد من هشاشة النساء والأطفال ويهدد حياتهم. من السودان إلى غزة، إلى ميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تكشف الأحداث عن انهيار منظومات الرعاية الصحية الأساسية وغياب الحماية القانونية، في ظل استمرار الإفلات من العقاب. يستعرض المقال الذي نشرته صحيفة "ذا غارديان" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ نمط العنف الإنجابي الذي أصبح أحد الأوجه الحديثة للحروب، ويكشف تأثيره المباشر على النساء الحوامل والعاملين في المجال الطبي، بالإضافة إلى تهديده لقدرة الدول على حماية السكان وضمان الحق بالولادة الآمنة.

النص المترجم:

كانت ثلاثون امرأة يحتمين في مستشفى الولادة السعودي في مدينة الفاشر بالسودان في 28 تشرين الأول/أكتوبر، حين بدأت المجزرة. بعضهن كن قد أنجبن لتوّهن، وأخريات كن لا يزلن في المخاض.

كان فني المختبر عبدو أحمد (28 عاماً) يعمل في المستشفى تلك الليلة، وهو أحد الناجين القلة. يقول: "سمعتُ أصوات نساء وأطفال يصرخون. كانوا يقتلون الجميع داخل المستشفى. من استطاع منّا الهرب، فعل".

في واحدة من أكثر الحوادث رعباً خلال الحرب الأهلية التي تعصف بالسودان منذ عامين، اقتحم جنود مسلحون من قوات الدعم السريع، التي تخوض قتالاً ضد الجيش السوداني، المستشفى، ما أدى إلى مقتل أكثر من 460 مريضاً ومرافقاً لهم، وفق التقارير. ووصفت منظمات حقوقية ما جرى بأنه "فظاعة لا يمكن وصفها"، معتبرة إياه واحداً من أسوأ الأمثلة الحديثة على انهيار منظومة حماية مئات الملايين من المدنيين العالقين في مناطق النزاع، من أوكرانيا وغزة، إلى ميانمار وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان.

ورغم أن جميع القوى الكبرى موقعة على اتفاقيات جنيف، التي تُلزم بحماية المدنيين من أطراف النزاع، شهد العام الماضي رقماً قياسياً في الهجمات على أنظمة الرعاية الصحية. وتُعد النساء أثناء الولادة من أكثر الفئات هشاشة، بسبب حاجتهن الماسّة إلى خدمات طبية محلية ومتاحة. ويكشف تحقيق لصحيفة "الغارديان" وبيانات جمعتها منظمة "إنسيكيوريتي إنسايت" غير الحكومية عن مستوى غير مسبوق من العنف، إذ سُجّل نحو 300 هجوم أو تعطيل استهدف مرافق رعاية الأمومة والعاملين فيها والنساء الحوامل خلال السنوات الثلاث الماضية، إضافة إلى ما لا يقل عن 119 حادثة شملت ضربات مباشرة على المستشفيات وأقسام الولادة.

وقعت معظم هذه الهجمات في أوكرانيا وغزة والسودان، حيث تُحاصَر مئات الآلاف من النساء الحوامل داخل مناطق حرب مفتوحة. وقد قُتلت نساء، ومُنِعن من الوصول إلى الرعاية الصحية، أو أُجبرن على الولادة في ظروف غير آمنة. كما تُظهر البيانات مقتل ما لا يقل عن 68 قابلة وطبيب توليد وأمراض نسائية، واختطاف 15 آخرين، واعتقال 101 أحياناً أثناء مساعدتهم في عمليات الولادة.

"هذه ليست نتائج طبيعية للحرب، بل تشكّل نمطاً من العنف الإنجابي"، تقول سيما بحّوث، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة. ومن المرجّح أن تكون هذه الأرقام أقل من الواقع، إذ تقتصر على الحوادث التي جرى الإبلاغ عنها في وسائل الإعلام المحلية والوطنية والدولية، وقواعد البيانات المتاحة على الإنترنت. وفي بعض مناطق النزاع، تكون الاتصالات والمعلومات شحيحة أو شبه معدومة. وكان قد أُفيد العام الماضي بأن نصف النساء اللواتي توفين أثناء الحمل أو الولادة كنّ يعشن في مناطق نزاع. وتؤكد سيما بحّوث: "هذه ليست عواقب طبيعية للحرب".

إلى جانب قتل النساء والعاملين المهرة، تُدمّر هذه الهجمات مرافق رعاية الأمومة والمواليد الجدد، ما يشكّل تهديداً لقدرة الدول على الحفاظ على سكانها وتجديد الأجيال. وفي غزة، أشارت لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى تأثير هذه الأعمال على الحق في الصحة الإنجابية كأحد الأسباب التي دفعتها إلى وصف إجراءات "إسرائيل" بأنها إبادة جماعية.

حتى بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر، يقول الأطباء في غزة إن النساء والأطفال ما زالوا يموتون بسبب نقص الرعاية، نتيجة شحّ الأدوية والمعدات الطبية. وأفاد مسؤول في إحدى وكالات الأمم المتحدة أنه تلقّى تقارير عن نساء يلدن وسط الركام على جوانب الطرق لأنهن لم يستطعن الوصول إلى المستشفى. يقول الدكتور عدنان راضي، رئيس أقسام النساء والتوليد في مستشفى العودة: "لقد تعرضت الأقسام وغرف العمليات وأقسام الولادة لقذائف وصواريخ مباشرة".

منذ بداية عام 2022، تضرّرت أو دُمّرت ما لا يقل عن 80 منشأة لرعاية الأمومة والمواليد في أوكرانيا. وقد أفادت صحيفة "الغارديان" من مستشفيات الولادة الواقعة في خطوط المواجهة بأن عمليات الولادة أُجبرت على الانتقال إلى طوابق تحت الأرض، وأن التوتر النفسي تسبب في مضاعفات أثناء الولادة.

كانت مدينة الفاشر معزولة عن المساعدات الإنسانية قبل وقت طويل من الهجوم على مستشفى الولادة السعودي، وفق منظمة الصحة العالمية، التي تشير إلى أن سوء التغذية آخذ في الارتفاع بسرعة، خصوصاً بين الأطفال والنساء الحوامل. أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فكانت البيانات حول الهجمات محدودة بسبب قلة المعلومات القادمة من المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين وصعوبة الوصول الموثوق للإنترنت. ومع ذلك، أصابت قذائف في مدينة غوما في كانون الثاني/يناير قسم الولادة في مستشفى خيرية للأمومة، ما أدى إلى مقتل الأمهات والأطفال والممرضات. وأفادت التقارير أن المنشآت القريبة غمرتها حالات الإصابة، معظمهم من النساء والأطفال.

وفي ميانمار، تم قصف المرافق الطبية، واعتُقل عشرات القابلات والمرضى، وقُتلوا أو جُرحوا خلال العامين الماضيين في سياق الحرب الأهلية المستمرة. ويقول خبراء الطب إن معظم حالات وفاة الأمهات يمكن تجنبها باستخدام إجراءات روتينية، لكن الأنظمة الصحية قد تنهار أثناء الحرب، ما يقوض الشروط التي تجعل الولادة آمنة ممكنة. وتضيف منظمات حقوقية أن الخوف يبعد النساء عن المرافق التي كانت تُعتبر آمنة، ويجبرهن على المخاطرة، مثل الولادة في المنزل بدون مساعدة مهرة أو الوصول إلى الرعاية الطارئة.

ويقول مارتن فان دير هايدن، محامٍ وباحث في كلية لندن للصحة وطب المناطق الاستوائية: "إذا كانت مستشفيات الأمومة تُستهدف عمداً، فهذا يشير إلى اتجاه أوسع وأكثر إثارة للقلق: استخدام العنف ضد المستشفيات كسلاح لنشر الخوف وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي يجمع المجتمعات".


المصدر: The Guardian

الكاتب: Liz Cookman, Tom Levitt, Hoda Osman and Zeinab Mohammed Salih




روزنامة المحور