يشرح الاستخباراتي البريطاني الأسبق أليستر كروك في هذا المقال الذي نشره موقع " geopolitika" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، مبررات نمط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "الصفقاتي" في صياغة السياسات الخارجية: "صنع السلام عبر التجارة، لا عبر الحرب".
ويستعرض كروك أيضاً استراتيجية الأمن القومي الأميركية (NSS) الصادرة في 4 كانون الأول / ديسمبر، التي بنظره قد صيغت بمفاهيم "مناطق النفوذ" بدل الهيمنة، وبإدارة مصالح أصحاب المصلحة المالية، والتي تتخلى عن خطاب "النظام القائم على القواعد".
النص المترجم:
في خطابه في الرياض في أيار/مايو، عرض الرئيس ترامب مبررات نمطه "الصفقاتي" في صياغة السياسات: صنع السلام عبر التجارة، لا عبر الحرب.
لغة استراتيجية الأمن القومي الأميركية (NSS) الصادرة في 4 كانون الأول / ديسمبر تمضي أبعد من ذلك بعدة خطوات: فهي تُصاغ بمفاهيم "مناطق النفوذ" بدل الهيمنة، وبإدارة مصالح أصحاب المصلحة المالية. كما تتخلى عن خطاب "النظام القائم على القواعد"، وتتجنب الاستدعاءات التقليدية للديمقراطية والقيم الغربية.
لكن ماذا يعني حقاً هذا "السلام عبر التجارة"؟
جوهر جيوسياسة ترامب، كما تكشفه وثيقة الـNSS، هو استشعار خطر انهيار إمبراطوري يلوح في الأفق. تتحدث الوثيقة عن أطلس الذي يحمل الكرة الأرضية، وتؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الاستمرار في تحمّل أعباء الإمبراطورية.
وعليه، تتمحور الـNSS في جوهرها حول معالجة التناقضات الاقتصادية التي أوصلت الولايات المتحدة إلى هذا المنعطف: ديون متضخمة وبنية مالية خارجة عن السيطرة، بما ينذر—إن لم تُحل—بانكفاء الإمبراطورية.
تصبح المسألة المركزية، إذاً، هي كيفية تمويل "الإمبراطورية" في ظل واقع اقتصادي مختلّ ومشوّه بشدة. وكانت نقطة الانطلاق الواضحة هي الإقرار بفشل العقوبات. فمحاولة إخراج الصين (وبالامتداد روسيا) من الحلقة الاقتصادية فشلت، لأنهما تكيفتا—بل وعزّزتا اقتصادهما الداخلي—وفي حالة الصين، رفعتا من أهميتهما داخل سلاسل الإمداد العالمية.
لذا نشهد تحوّلاً ملحوظاً نحو "نموذج" إمبراطوري مختلف. فالـNSS تلمّح ضمنياً إلى أن الولايات المتحدة ستكون في مأزق كبير من دون الهيمنة التي تسمح بإكراه رؤوس الأموال الكبرى واستثمارات البنى التحتية على التدفق إلى الاقتصاد الأميركي، ومن دون استمرار هيمنة الدولار.
وعليه، فالـNSS ليست انعطافاً بعيداً عن الإمبراطورية؛ لكنها تخلص، مع ذلك، إلى أن وسائل الإبقاء—ولو بشكل مُخفّف—على الهيمنة الأميركية تتطلب "متمّمة ترامب لمبدأ مونرو".
وفي الملاحظات التمهيدية، تقول الـNSS إن:
"نخب السياسة الخارجية الأميركية، المقتنعة بأن الهيمنة الأميركية الدائمة على العالم بأسره تصبّ في مصلحة بلدنا… قد بالغت في تقدير قدرة أميركا على تمويل، في آن واحد، دولة رفاه وتنظيم-إدارة ضخمة، إلى جانب مجمّع عسكري ودبلوماسي واستخباراتي ومساعدات خارجية هائل".
هنا تضع الوثيقة مسألة تمويل السياسة الخارجية الأميركية في الصدارة.
وبدلالة لافتة، وفي سياق عجز التمويل، تسدّد الاستراتيجية ضربة إلى نظام التجارة الحرة:
"لقد وضعوا رهانات مضلِّلة ومدمّرة على العولمة وما يُسمّى "التجارة الحرة"، ما أفرغ الطبقة الوسطى والقاعدة الصناعية اللتين تقوم عليهما الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الأميركية".
لعل هذا الجانب يمثل أكثر التحولات جذرية التي تتصورها الـNSS فهو يتصل ببنيتين اقتصاديتين بديلتين: من جهة، النظام البريطاني لـ"التجارة الحرة" كما صاغه آدم سميث؛ ومن جهة أخرى، "النظام الأميركي" كما دعا إليه ألكسندر هاملتون. تتضمن وثيقة الـNSS رفضاً صريحاً لنظام "التجارة الحرة"، وتذكر اسم ألكسندر هاملتون تحديداً—في إشارة واضحة إلى الاتجاه الذي يسلكه ترامب (على الأقل على مستوى الطموح).
لم ينشأ "النظام الأميركي" في الولايات المتحدة؛ بل صاغه بوضوح أول مرة الاقتصادي الألماني فريدريش ليست في القرن التاسع عشر. لكنه اكتسب صفة "الأميركي" لأنه طُبّق في الولايات المتحدة لنحو 150 عاماً. خلال تلك الفترة، استخدمت واشنطن الرسوم الجمركية، والدعم الحكومي، وحواجز تجارية أخرى لرعاية الصناعات المحلية وحماية الوظائف ذات الأجور المرتفعة. غير أن الولايات المتحدة أعادت، في مرحلة ما بعد الحرب، توجيه سياستها الاقتصادية تدريجياً لصالح النظام البريطاني للتجارة الحرة. وقد أشار ترامب، بين حين وآخر، إلى لجوء هاملتون إلى الرسوم.
لكن، للتوضيح، فإن الانتقال إلى نموذج اقتصادي منغلق—كما فعلت الصين (وإلى حد ما روسيا) لحماية نفسيهما من الحرب المالية الأميركية—يستغرق عقوداً، وترامب لا يملك هذا الوقت. إنه في سباق مع الزمن.
أوضح تناقض في انتقال ترامب إلى نمط "صفقاتي" هو: كيف سيتم تسويق أدوات الدين الأميركية اللازمة لتمويل الموازنة، في وقت يتراجع فيه الطلب على الدولار في التجارة الدولية؟ وذلك في اللحظة نفسها التي يُصرّ فيها ترامب على خفض مدفوعات خدمة الدين التي تهدد ملاءة نفقاته الضخمة "السبعة الرائعة" في الذكاء الاصطناعي. ففوائد الدين باتت تلتهم 25 سنتاً من كل دولار تجبيه الولايات المتحدة من الضرائب. هذا التناقض الإشكالي يتطلب—فعلياً—تضليل الناس لشراء الدين الأميركي رغم تراجع عوائده.
إجابته هي استخدام الرسوم الجمركية كأداة "ابتزاز" للحلفاء والخصوم على السواء، لإكراههم على التعهد باستثمارات أجنبية بمليارات الدولارات. وفي موازاة ذلك، أصدر وزير الخزانة الأميركي أوامر للمستثمرين العالميين بشراء الدين الأميركي. غير أن التناقض هنا أن الرسوم الجمركية يدفعها في النهاية المستهلك الأميركي، وهي تضخمية—ما يفاقم الأوجاع الاقتصادية.
كيف يعمل هذا النهج التجاري جيوسياسياً؟ في أوكرانيا، يفترض "النهج التجاري" أن حل الصراع الطويل الأمد يتطلب نظاماً يستمر فيه تحقيق المنافع المالية؛ أي إن المشكلة الاستراتيجية تتعلق بتقسيم "الكعكة الاقتصادية الأوكرانية" بين "أصحاب المصلحة".
وبلغة دبلوماسية مهذبة، تُوصَف المدفوعات المستمرة بأنها "أجندة الازدهار التي تهدف إلى دعم إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب؛ والمبادرات الاقتصادية الأميركية–الأوكرانية المشتركة؛ ومشاريع تعافي أوكرانيا". (وهذا ترميز لاحتفاظ مجلس الشيوخ الأميركي والاتحاد الأوروبي بآلية مالية للاستغلال الشخصي—أي استمرار الغسل المعتاد للمدفوعات).
ومن اللغة المستخدمة، يبدو أن ويتكوف وكوشنر واثقون من قدرتهم على بناء نظام مكافآت مالية للبنوك والمستثمرين الغربيين والسياسيين ومسؤولي أوكرانيا، بما يحفظ فوائد الحرب من دون عنصر سفك الدماء.
إذا نجح الوفد الأميركي في ذلك، فستحصل روسيا على الأراضي التي تريدها، ويواصل المسؤولون الأوكرانيون الفاسدون اقتطاع حصصهم من أموال الاستثمار، ويحافظ الاتحاد الأوروبي على قدرته على جباية المدفوعات المالية، ويستطيع السياسيون الأميركيون استخدام “مشاريع التعافي طويلة الأمد” لغسل الأموال، فيما تستفيد بنوك الاستثمار شبه العامة/الخاصة من استغلال الموارد الأوكرانية.
هذا كله مستمد بوضوح من خبرة عقد صفقات عقارية في نيويورك.
صحيح أن المصالح المالية حاضرة في الصراع الأوكراني، لكنها ليست المصالح الوحيدة: لدى روسيا مصلحة وجودية في إنشاء بيئة أمنية صلبة ومحكمة، وفي هزيمة الناتو وأنصاره الأوروبيين بصورة دائمة. وفي المقابل، لدى النخب الأوروبية يأس مماثل لإلحاق هزيمة ساحقة بروسيا.
تقول الـNSS إن الاستقرار في أوروبا مصلحة أميركية أساسية—لكن فصيلاً قوياً في الولايات المتحدة يقوّض هذا الاستقرار بالإصرار على إعادة تسليح الأوروبيين والاستعداد لحرب مع روسيا بحلول 2027. وتمتثل النخب الأوروبية لأنها لا تحتمل فكرة “فوز” روسيا ثم تحوّلها إلى فاعل مهم داخل أوروبا (كما تلعب دوافع ثأرية دوراً في بعض دوائر بروكسل).
وهكذا، يمكن رصد تطور إضافي في نموذج ترامب التجاري—كما يشرحه ألكسندر كريستوفورو:
“بدلاً من محاولة فعل كل شيء بنفسك، تركز على الكفاءات الأساسية—أليس كذلك؟ ثم تُسند كل ما عدا ذلك إلى شركاء. فتُسند أوروبا إلى الأوروبيين. وآسيا إلى وكلاء في آسيا… إنها كامتياز (فرنشايز)… سنركز نحن [الولايات المتحدة] على جوارنا [نصف الكرة الغربي]، وسيكون لدينا ثلاث أو أربع امتيازات هناك، يدفعون لنا 7% رسوم امتياز، ويتكفلون هم بإدارة أقاليمهم".
ولإزالة أي لبس، تنصّ الـNSS على ما يلي:
"إن شروط اتفاقياتنا، ولا سيما مع الدول التي تعتمد علينا أكثر وبالتالي نملك عليها نفوذاً أكبر، يجب أن تكون عقود توريد حصرية لشركاتنا [الأميركية]. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن نبذل كل جهد لدفع الشركات الأجنبية التي تبني بنى تحتية في المنطقة إلى الخروج".
وفي سياق تأكيد الولايات المتحدة على "مناطق النفوذ"، تتمثل الخلاصة الأساسية من الـNSS في التركيز على نصف الكرة الغربي والأميركيتين. بل تقول الوثيقة إن الولايات المتحدة ستُقرّ وتُنفّذ "متمّمة ترامب لمبدأ مونرو" هناك.
هنا يمكن ملاحظة روح زمنية أعمق تُسند الـNSS
العودة إلى البنية الاقتصادية الهاملتونية غير مرجّحة جداً في الظروف الراهنة. وبدلاً من ذلك، نرى في أفعال الولايات المتحدة تجاه فنزويلا "منافسة" باردة حالياً، لكنها قد تصبح ساخنة، حول من سيصوغ النظام العالمي المقبل. وإقصاء الصين عن أميركا اللاتينية مطروح بوضوح على الطاولة.
يذكر أليكس كاينر أن:
"الحكومة الفنزويلية عرضت هذا الصيف على واشنطن أكثر الشروط سخاءً التي قدّمها خصم للولايات المتحدة منذ عقود. اقترحت فتح جميع مشاريع النفط والذهب القائمة أمام الشركات الأميركية—ومنح عقود تفضيلية للأعمال الأميركية—بما قد يعكس تدفق صادرات النفط الفنزويلية من الصين عائداً إلى الولايات المتحدة".
لم يكن هذا مجرد "صفقة". لقد كان، عملياً، استسلاماً غير مشروط لسيادة الموارد لمصالح الشركات الأميركية.
كان رد إدارة ترامب: "لا" قاطعة. وبدلاً من ذلك، تواصل الأصول [البحرية و]العسكرية التراكم قبالة سواحل فنزويلا.
وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة. فبينما رفضت واشنطن عرض مادورو، ضاعفت بكين رهاناتها. كشفت الصين في معرض شنغهاي في تشرين الثاني/نوفمبر عن اتفاق تجارة بصفر رسوم—إضافة إلى معاهدة استثمار ثنائية. وتستثمر شركات صينية خاصة (CCRC) الآن أكثر من مليار دولار في حقول النفط الفنزويلية بعقود إنتاج تمتد 20 عاماً.
لماذا ترفض الولايات المتحدة ما تقول إنها تريده بالضبط—احتياطيات فنزويلا النفطية الضخمة—من دون إطلاق رصاصة؟ يكشف الجواب أمراً أكثر أهمية بشأن كيفية عمل القوة العالمية في المستقبل.
ستتمحور [القوة العالمية] حول السيطرة على البنية الاقتصادية العالمية نفسها. وستدور المنافسة حول أي نظام—"النظام القائم على القواعد" بقيادة واشنطن أم البديل الصاعد الذي تطرحه بكين—سيسود في نصف الكرة الغربي وما بعده. لقد أصبحت فنزويلا رقعة الشطرنج التي تتصادم فوقها رؤيتان غير متوافقتين للنظام العالمي.
ما بنته الصين في فنزويلا ليس مجرد علاقة تجارية؛ بل سلسلة إمداد متكاملة من قروض وموانئ وممرات سلعية—شبكة تزداد مقاومة للضغط الخارجي. وهذا بالضبط ما يثير حفيظة واشنطن. فعندما نتحدث عن النظام العالمي الناشئ، فنحن نتحدث عن منافسة بين نظام تقوده أميركا وآخر تتبناه الصين.
النهج الأميركي… يعتمد على الدولار. ويستند إلى مؤسسات مالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تعمل وفق قواعد كُتبت إلى حد كبير في واشنطن. ويتطلب اندماج الدول في نظام تجاري يحتفظ فيه الأميركيون وحلفاؤهم بالقدرة على فرض كلفة عبر العقوبات، أساساً على من ينتهكون القواعد القائمة.
أما الصين فلا تحتاج إلى شيء من ذلك. فهي تبني على مبادئ مختلفة جذرياً: لا تشترط إصلاح الأنظمة السياسية، ولا اعتماد نظام قائم على الدولار، ولا تصطفّ مع سياسة واشنطن الخارجية.
لماذا، إذاً، رفضت أميركا عرض مادورو؟ لأن القضية الحقيقية ليست النفط. النفط سلعة قابلة للاستبدال. المسألة الأساسية—كما وردت في الـNSS—هي أنه داخل "القلعة الإقليمية" لواشنطن، تؤكد "متمّمة ترامب لمبدأ مونرو" أن "الولايات المتحدة ستبذل كل جهد لدفع الشركات الأجنبية التي تبني بنى تحتية في المنطقة إلى الخروج".
يقول ترامب—من خلال الحصار البحري لفنزويلا—إن سلاسل الإمداد الصينية، والقروض، وأنظمة الدفع البديلة، والممرات السلعية، سيتم "دفعها إلى الخارج" من القلعة الأميركية في نصف الكرة الغربي. ومن هنا الحصار البحري لفنزويلا وكوبا.
هذا يمثل الجولة الأولى في الحرب على من سيصوغ البنية الاقتصادية والنظام القادمين في أميركا اللاتينية—وبالطبع أبعد من ذلك.
إنه رمزّي للغاية—وخطير. وبأي وسائل—اقتصادية أم عسكرية—ستُفرض "متمّمة ترامب"؟ سنرى.
المصدر: geopolitika
الكاتب: غرفة التحرير