الإثنين 22 كانون الاول , 2025 03:28

السجون الإسرائيلية: فضاء القمع في كيان الاحتلال

معاناة الأسرى في سجون الاحتلال

لا يمكن النظر إلى سجون الاحتلال الإسرائيلي بوصفها مؤسسات "عقابية" بالمعنى القانوني المتعارف عليه، لأن أساس الاعتقال نفسه قائم على نفي الحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني. فالأسرى الفلسطينيون ليسوا مجرمين ولا مدانين وفق منظومة عدالة مستقلة، بل ضحايا كيان احتلال يستخدم أسلوب الأسر كأداة سياسية لكسر الإرادة، وتفكيك بنية المجتمع الفلسطيني المقاوم، وإدارة الصراع عبر التعذيب والضغط النفسي المستمر.

يمارس الاحتلال الاعتقال بوصفه سياسة ممنهجة. فالأسر هو أحد أركان السيطرة الاستعمارية، يُستخدم لإفراغ المجتمع من فاعليته، ومعاقبة الانتماء السياسي والوطني، وتحويل الجسد الفلسطيني إلى مساحة مفتوحة للتجربة القمعية.

في هذا السياق، لا يعود الاعتقال مرتبطًا بفعل محدد، بل بالهوية نفسها، حيث يُجرَّم الوجود الفلسطيني المقاوم لمجرد كونه رافضًا للاحتلال. أو مطالباً بحقوقه وثائراً في سبيلها.

منظومة تعذيب ممنهجة خارج أي مساءلة

ما يتعرض له الأسرى داخل السجون الإسرائيلية لا يمكن اختزاله في عبارة "انتهاكات"، بل هو نظام تعذيب ممنهج، قائم على الإذلال، والإيذاء الجسدي، والتجويع، والحرمان الطبي، والعزل الطويل.

في ظل غياب الرقابة الفعلية، وامتناع المؤسسات الدولية عن فرض محاسبة حقيقية، ما منح إدارة السجون وأجهزتها الأمنية مساحة مفتوحة لممارسة العنف المحظور وفقاً لكل المعايير بوصفها إجراءً اعتياديًا. وهنا يتحول التعذيب إلى أداة لإخضاع الأسرى وتحطيمهم نفسيًا.

إلى جانب العنف الجسدي، يتعرض الأسرى الفلسطينيون لحرب نفسية قاسية، تُدار وفق تخطيط إسرائيلي. العزل، الإهانات، الإذلال المتعمّد، التهديد المستمر، الحرمان من النوم، ومن التواصل الإنساني الطبيعي، كلها أدوات تهدف إلى إنهاك الأسير داخليًا، ودفعه إلى حالة من الانكسار أو الاستسلام.

هذا النوع من التعذيب لا يهدف إلى ترك آثار آنية فحسب، بل يخلّف ندوبًا نفسية عميقة، تمتد حتى بعد التحرير، وهذا هو هدف الاحتلال من إخضاع الشعب الفلسطيني وتجريده من أبسط مقومات الحياة كالتواجد والمشاركة في المجتمع ومتابعة الحياة بشكل طبيعي صحي. أما في سجون الاحتلال، فيُتعامل مع الجسد الفلسطيني ككيان فائض يمكن كسره بلا كلفة. الإهمال الطبي المتعمد، استخدام الألم وسيلة للضغط، والتجويع الممنهج. هذا التعامل لا ينفصل عن البنية العقائدية للاحتلال، التي تنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطيني، وتحوّله إلى "هدف" أو "خطر" يبرّر كل أشكال الانتهاك بحقه.

تشريع الإعدام

في ظل هذه الممارسات القائمة أصلًا، تأتي محاولات سنّ قوانين تشرعن الإعدام لتكشف حقيقة المسار الذي يسير فيه الكيان المحتل. فبدل وقف الجرائم داخل السجون، يجري العمل على توفير غطاء قانوني لتصعيدها.

هذا التوجه لا يعكس قوة، بل مأزقًا أخلاقيًا وسياسيًا، ومحاولة لتحويل العنف القائم إلى نص قانوني، في خطوة تؤكد أن الاحتلال لم يعد يكتفي بممارسة القتل البطيء.

على هامش الاندفاعة التشريعية نحو تقنين الإعدام، برزت داخل الكيان المحتل أصوات معترضة، صدرت عن جهات أمنية وطبية وحقوقية، عبّرت عن رفضها لهذه الخطوة. غير أن هذه الاعتراضات لا تنطلق من مراجعة أخلاقية شاملة لمنظومة القمع بحق الفلسطينيين، بل من خشية عملية من التداعيات التي قد تترتب على هذا المسار، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الدولي.

تتمحور هذه التحفظات حول القلق من فقدان السيطرة، وتصاعد الأعمال المقاومة، وتحوّل السجون إلى بؤر انفجار، إضافة إلى التخوف من انعكاسات القانون على صورة الكيان خارجيًا، وعلى أمن الإسرائيليين في الخارج. وهو ما يعكس أن جوهر الاعتراض ليس على الظلم الواقع على الأسرى، بل على كلفة هذا الظلم حين يتجاوز حدودًا قد ترتد سلبًا على منظومة الاحتلال نفسها.

ومع ذلك، لا يشكّل هذا الاعتراض المحدود انقسامًا حقيقيًا قادرًا على كبح المسار العام. فالمؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، بمختلف أطيافها، تلتقي عند مبدأ تشديد القمع بحق الأسرى، حتى وإن اختلفت على الأدوات أو التوقيت.

يأتي طرح تشريعات تُقنّن الإعدام كذروة لمسار إجرامي متكامل، يسعى إلى تحويل الجريمة إلى إجراء مباح. الأخطر في هذا المسار الوسائل التي يقترحها الاحتلال لتنفيذ الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، والتي تشمل إطلاق النار، والشنق، والكرسي الكهربائي، والحقنة السامة، في استعادة فجة لأدوات قتل ارتبطت تاريخيًا بأكثر الأنظمة وحشية.

إن إدراج هذه الوسائل ضمن نصوص قانونية لا يمنحها أي شرعية، بل يكشف عمق الانحدار الأخلاقي وتحويل السجون إلى مسارح دماء. وأمام هذا الواقع، تبقى قضية الأسرى شاهدًا حيًا على طبيعة الاحتلال الوحشية التي يجب أن تلجم.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور