الإثنين 22 كانون الاول , 2025 03:56

مستقبل حزب القوات اللبنانية بين الدولة والميليشيا

سمير جعجع وشعار حزب القوات اللبنانية

في قلب المشهد السياسي اللبناني المعقّد، يبرز حزب القوات اللبنانية كحالة إشكالية تجمع بين كونه حزبًا سياسيًا يشارك في الانتخابات والحكومات، وبين كونه تنظيمًا يحمل في بنيته وذاكرته إرث ميليشيا عسكرية. هذا التناقض البنيوي يفتح الباب أمام سؤال مركزي يتعلق بمستقبل الحزب ودوره في الدولة اللبنانية: هل سيتمكن من التحول إلى قوة سياسية مدنية إصلاحية، أم أن مساره سيبقى مشدودًا إلى منطق "أمن المجتمع الطائفي" في ظل هشاشة الدولة وتآكل مؤسساتها؟ تنطلق هذه الدراسة من هذا السؤال لتشريح العوامل التي تحكم مسار الحزب واستشراف احتمالات تطوره حتى عام 2030.

لفهم سلوك القوات اللبنانية، لا بد من التوقف عند هويتها السياسية التي تشكلت تاريخيًا في سياق الصراع. فالعلاقة مع حزب الله لا تندرج في إطار التنافس السياسي التقليدي، بل تأخذ طابع التنافر الوجودي القائم على ذاكرة صدامية مثقلة بالأحداث والاتهامات المتبادلة. هذا الصراع الصفري جعل من حزب الله عنصرًا أساسيًا في إنتاج شرعية القوات داخل بيئتها، إذ كلما تعاظم حضور حزب الله وقوته، ازدادت قدرة القوات على تقديم نفسها بوصفها "حاميًا" للمجتمع المسيحي، ما يعني أن تراجع هذا الخصم قد يضع الحزب أمام أزمة وظيفة سياسية حقيقية.

أما على الساحة المسيحية الداخلية، فتتسم العلاقة مع التيار الوطني الحر بحالة من التنافر البارد، تحكمها ذاكرة الحرب والانقسامات التاريخية، ولا سيما إرث "حرب الإلغاء". ورغم محاولات مرحلية لتجاوز هذا الإرث كما في اتفاق معراب، سرعان ما عادت العلاقة إلى منطق الاشتباك السياسي المحدود، ما يجعل أي تحالف استراتيجي أو اندماج فعلي بين الطرفين أمرًا مستبعدًا، ويُبقي التعاون محصورًا في تقاطعات مصلحية ظرفية.

إقليميًا، يعتمد حزب القوات اللبنانية على تحالف وثيق مع السعودية والغرب، يمكن توصيفه بعلاقة اندماج وظيفي، حيث يقدم الحزب نفسه كأداة سياسية في مواجهة النفوذ الإيراني في لبنان. غير أن هذا التموضع يجعل الحزب شديد الحساسية لأي تحولات في أولويات الداعمين الإقليميين، خصوصًا في حال حصول تسويات كبرى قد تقلل من جدوى الخطاب التصادمي الذي يعتمده، أو تحوّله إلى عبء سياسي على حلفائه.

على مستوى البنية الداخلية، يواجه الحزب إشكالية التحول من تنظيم ذي طابع قتالي إلى حزب مدني يعمل ضمن مؤسسات دولة ضعيفة. فالمركزية الصارمة، والولاء الشخصي للقيادة، والطابع شبه العسكري للتنظيم، تحدّ من مرونته السياسية. كما يلعب الجهاز الإعلامي دورًا في إبقاء مستوى التوتر مرتفعًا داخل القاعدة الشعبية، بما يعزز التماسك القائم على الخوف، لكنه في الوقت نفسه يقوّض فرص بناء الثقة السياسية على مستوى الدولة.

انطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل القوات اللبنانية. يتمثل السيناريو الأول، الأكثر خطورة، في عودة الحزب إلى منطق "القلعة المحاصرة" في حال انهيار أمني شامل، ما قد يدفعه إلى تفعيل تنظيمه العسكري علنًا وإقامة خطوط تماس طائفية، وهو مسار ينذر بصدام دموي واسع. في المقابل، يعبّر سيناريو "الطلاق المدني" عن الطموح الضمني للحزب، حيث يسعى إلى فرض لامركزية موسعة وبناء نموذج حكم شبه مستقل في المناطق المسيحية، مدعومًا بتمويل خارجي، من دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقرب إلى الواقع الحالي، فيتمثل بدور "الشريك المشاكس" داخل الدولة، حيث تشارك القوات في المؤسسات لكنها تمارس التعطيل السياسي والإعلامي لمنع خصومها من فرض خيارات استراتيجية كبرى. ويضمن هذا المسار للحزب حضورًا مؤثرًا، لكنه يكرّس الجمود السياسي ويهدد بعزلته على المدى البعيد. ويبرز إلى جانب ذلك سيناريو رابع هجين، تعمل فيه القوات كذراع أمنية غير معلنة، تحت غطاء الشرعية، مع الاحتفاظ بقدرات عسكرية كامنة وجاهزة للاستخدام عند الحاجة.

تشكل القيادة عنصرًا حاسمًا في مستقبل الحزب، إذ يتمحور التنظيم إلى حد كبير حول شخصية سمير جعجع، ما يجعل مسألة الخلافة نقطة ضعف بنيوية. فغياب القائد أو تراجع دوره قد يؤدي إلى تفكك داخلي وصراعات فصائلية في ظل غياب آليات مؤسسية حقيقية لتداول السلطة. ويمكن رصد جملة من مؤشرات الإنذار المبكر، من بينها عسكرة الخطاب الإعلامي، وظهور مظاهر أمن ذاتي في المناطق المسيحية، وتراجع خدمات الدولة مقابل توسع أدوار حزبية مباشرة، إضافة إلى أي تغير جوهري في طبيعة الدعم السعودي.

خلاصة القول إن مستقبل حزب القوات اللبنانية سيبقى، في المدى المنظور، متأرجحًا بين مساري "الشريك المشاكس" و"الطلاق المدني". فالحزب يدرك أن الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة يحمل مخاطر وجودية، لذلك يفضّل تعزيز نفوذه الاقتصادي والاجتماعي والأمني بشكل غير معلن، مع الاستمرار في الضجيج السياسي والإعلامي. غير أن هذا المسار يبقى هشًا وقابلًا للتفكك السريع عند أي تحول حاسم في البيئة الإقليمية أو في التوازنات الداخلية، ما يجعل مستقبل الحزب، وربما مستقبل لبنان نفسه، رهينة لهذه المعادلات الدقيقة.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور