الثلاثاء 23 كانون الاول , 2025 03:34

مؤسسات الاحتلال باتت عبئاً عليه

إغلاق إذاعة الجيش الإسرائيلي بأمر من كاتس

لم يكن قرار الحكومة الإسرائيلية بإغلاق إذاعة الجيش الإسرائيلي بعد سبعة عقود من البث مجرد إجراء إداري عادي، بل خطوة تعكس سياسة مركزية لإدارة الأزمات الداخلية للكيان. فالإذاعة، رغم كونها أداة إعلامية عسكرية، لم تعد تقتصر على البث العسكري، بل شاركت في تغطية الشؤون الداخلية والسياسية، ما جعلها نقطة حساسة بالنسبة لسلطة الاحتلال. ويوضح إغلاقها بجلاء أن الحكومة تسعى إلى السيطرة على أي منصة أو مساحة قد تفضح هشاشة النظام الإسرائيلي أو يبرز تناقضاته السياسية، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية والأمنية المتزايدة.

تسييس الإعلام لإدارة الرأي العام

يأتي إغلاق الإذاعة كجزء من استراتيجية أوسع لإخضاع الإعلام العام للهيمنة السياسية. في مجتمع يشهد أزمات متعددة، حيث يصبح التحكم بالمعلومات أداة لإدارة الرأي العام وتقليل مساحة النقد. هذا يعكس خللاً بنيويًا في المؤسسات الإسرائيلية، حيث تتفوق الأجندة السياسية على نقل الصورة الحقيقية وهو أسلوب يتبعه الاحتلال دائماً إن كان بالتعتيم أو عدم نقل ما يجري في مستوطناته أثناء التصعيد.. لذلك فالإعلام الإسرائيلي ما هو إلا إعلام مسيس يخضع لبروتكلات الحكومة ويمنع من تجاوزها ويعمد إلى تضليل مجتمعه وجعله خارج الصورة لتقليل المساءلة. والسياسات الحالية تكشف عن اعتماد الاحتلال على إجراءات الضغط المباشر لإدارة أزماته، لذلك فإن أي صوت، حتى لو كان من جهازه الإعلامي العسكري، يُعتبر تهديدًا للسيطرة المركزية، يُستهدف بالإغلاق أو التضييق.

الأزمات البنيوية تتعمق

خطوة الإغلاق لا تقتصر على فقدان مصدر إعلامي، بل تخلق تأثيرًا هيكليًا على المجتمع الإسرائيلي. منها منع المجتمع الإسرائيلي من الحصول على متابعة "مستقلة" ما يزيد من هشاشة المستوطنين أمام الأزمات المستقبلية وزيادة نقمتهم على الحكومة. وبدلاً من معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها المستوطنين -خصوصاً في مستوطنات الشمال بعد استهداف حزب الله لها وإلحاق أضرار جسيمة بها-، تلجأ الحكومة إلى السيطرة المباشرة على الإعلام لتفادي أي كشف للقصور أو الفساد.

على الرغم من اعتماد الإذاعة على الإعلانات والرعاية التجارية، فإن التمويل لم يحفظ استقلاليتها. الحكومة استغلت هذا الجانب كذريعة لتبرير الإغلاق، ما يعكس هشاشة الهيكل المالي كأداة حماية ضد التسييس. الأموال لم تعد مجرد موارد لتغطية النفقات، بل وسيلة ضغط لتقليل أي محتوى قد يُنظر إليه على أنه نقدي. هذا الاستخدام للتمويل يعكس خللاً مؤسساتيًا أكبر، حيث تصبح الموارد أداة لتثبيت السيطرة بدل دعم استقلالية المؤسسات.

كذلك تكشف الخطوة تجاوزات واضحة للحدود القانونية والإدارية. فتشكيل فرق خاصة للإغلاق قبل أي تشريع، وتجاهل المستشارين القانونيين واللجان، يظهر أن القرار ليس إعادة هيكلة تقنية، بل إجراء سياسي يخدم أهداف الحكومة ويعكس ضعف المؤسسات الرقابية في كيان الاحتلال.

تداعيات هذا القرار تتجاوز الإذاعة المغلقة نفسها، لتطال المشهد الإعلامي للاحتلال بأكمله. حيث ستجد المؤسسات الأخرى نفسها تحت ضغط مستمر للامتثال أو تعديل خطابها بما يتوافق مع أهداف الحكومة الإسرائيلية.

السياسات التي يعتمدها الاحتلال اليوم، ويقدّمها كوسيلة للنجاة السياسية وحماية قياداته من المحاسبة، تتحول عمليًا إلى عامل تفجير لأزمات جديدة بدل احتوائها. وإغلاق إذاعة الجيش يندرج ضمن هذا المسار القائم على تعطيل أدوات النقد "لضبط" المجال العام، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن مأزق متنامٍ لأن المجتمع الإسرائيلي بات أكثر وعيًا بأساليب السلطة في الالتفاف على المحاسبة. مع تكرار هذه الإجراءات، تتراجع قدرة الحكومة على تسويق قراراتها كإصلاحات، ويزداد إدراك الجمهور لطبيعتها السلطوية. بذلك، لا تؤدي سياسات الإقصاء إلى تحصين الكيان، بل تعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتضع الاحتلال أمام أزمة داخلية أشد تعقيدًا، حيث تصبح أدوات السيطرة نفسها عبئًا سياسيًا يسرّع التآكل البنيوي بدل أن يمنعه.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور