الأربعاء 24 كانون الاول , 2025 11:33

كيف تحولت وثائق إبستين إلى معركة سياسية بين الجمهوريين والديموقراطيين؟

تحوّلت وثائق قضية جيفري إبستين، التي يفترض أن تكون ملفاً قضائياً حساساً يتصل بجرائم جنسية واستغلال قاصرات، إلى أداة اشتباك سياسي مباشر بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة. وبدل أن يقود الإفصاح عنها إلى مساءلة قانونية منظمة، باتت الوثائق نفسها جزءاً من معركة روايات، يحاول كل طرف توظيفها لتعزيز موقعه وإضعاف خصومه، فيما يقف الضحايا مجدداً على هامش الحسابات السياسية.

قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب المضي في نشر جزء من وثائق إبستين لم يأتِ في فراغ. فقد سبقته أشهر من التردد، والرفض الضمني، ثم النشر الجزئي والمنقّح، بذريعة حماية الضحايا أو ارتباط بعض المواد بتحقيقات جارية. هذا التدرج عزّز الشكوك لدى المعارضين الديمقراطيين، وكذلك لدى عدد من الجمهوريين، في أن الإدارة لا تزال تحتفظ بهامش واسع لاختيار ما يُنشر وما يُحجب.

مع ذلك، استغل ترامب توقيعه على قرار النشر لتحويل اللحظة إلى هجوم سياسي مضاد. حيث سارع إلى ربط إبستين بالديمقراطيين، مصوراً القضية باعتبارها عبئاً سياسياً على خصومه لا عليه. وفي خطاب علني، شدد ترامب على أن وزارة العدل وجهت الاتهام لإبستين عام 2019 خلال ولايته، لا في عهد الإدارات الديمقراطية، مضيفاً أن إبستين كان "ديمقراطياً مدى الحياة" وتبرع لسياسيين ديمقراطيين، وارتبط بشخصيات بارزة منهم، على رأسهم الرئيس السابق بيل كلينتون.

هذا الخطاب كان بمثابة إعادة توجيه للهجوم. سعى ترامب بوضوح إلى نزع الطابع "العابر للحزبين" عن علاقة النخب السياسية بإبستين، وتحويلها إلى قضية ذات لون حزبي واحد. وبهذا، لم يعد جوهر النقاش هو كيفية التعامل مع شبكة نفوذ وجرائم جنسية، بل من يتحمل الكلفة السياسية الأكبر في موسم استقطاب حاد.

في المقابل، لم يتأخر رد الديمقراطيين. اذ رأت المعارضة في النشر الجزئي والمُنقّح دليلاً على مناورة متعمدة تهدف إلى التحكم بالسردية ومنع الكشف عن معلومات قد تكون محرجة لترامب ومحيطه الاجتماعي والمالي. وذهب بعض قادة الديمقراطيين إلى اتهام وزارة العدل بخرق القانون عبر عدم الالتزام بالإفراج الكامل ضمن المهلة الزمنية المحددة، معتبرين أن "الشفافية الانتقائية" لا تقل خطورة عن الحجب الكامل.

اللافت أن هذا السجال لم يقتصر على الانقسام الحزبي التقليدي. بل برزت أصوات داخل المعسكر الجمهوري نفسه، مثل النائب توماس ماسي، اتهمت ترامب بالسعي إلى حماية أصدقاء أثرياء ونافذين، حتى لو لم يكن متورطاً شخصياً في جرائم إبستين. هذه المواقف كشفت أن ملف إبستين لا يهدد فقط صورة الديمقراطيين، بل يفتح أيضا شقوقاً داخل القاعدة الجمهورية، خاصة بين الخطاب الشعبوي الداعي إلى "كشف كل شيء" وبين حسابات السلطة والعلاقات.

أما الضحايا، فكان موقفهم أكثر حدة وأقل صخباً إعلامياً. فقد استنكروا ما وصفوه بإفراج جزئي ومشوَّه، مع تنقيح مفرط غير مبرر، بل وترك هويات بعضهم مكشوفة، ما ألحق بهم أذى مباشراً. بالنسبة لهم، لا يبدو أن أياً من الطرفين يتعامل مع الوثائق بوصفها أداة لتحقيق العدالة، بل كوسيلة ضغط أو ابتزاز سياسي متبادل.

تحولت وثائق جيفري إبستين إلى ساحة مواجهة سياسية مكتملة الأركان. اذ أن ترامب يستخدمها للهجوم على الديمقراطيين وتبرئة ساحته، والديمقراطيون يوظفون تردد الإدارة ونشرها الانتقائي لاتهامها بالتستر، فيما تبقى الحقيقة القانونية الكاملة مؤجلة، ومجزأة، وخاضعة لحسابات القوة. وبين هذا وذاك، تُفرغ القضية من بعدها الأخلاقي والقضائي، لتصبح مجرد ورقة أخرى في لعبة السلطة الأميركية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور