الأربعاء 24 كانون الاول , 2025 02:55

من السيوف إلى خطوط الأنابيب: درر الشرق ومسار النفوذ الإقليمي

خريطة سوريا والنفط

في زيارة إلى التاريخ الذي لا بدّ لنا كباحثين إعادة دراسته بعقل بارد وبعيداً عن أي عصبية دينية أو قومية، نجد أن الحروب الصليبية، أو الحملات الصليبية التي قادها المسيحيون اللاتين الكاثوليك في أوروبا الغربية بين أواخر القرن الحادي عشر والثلث الأخير من القرن الثالث عشر (1096–1291)، لم تكن سوى حروب رُفعت فيها رايات الدين وأُخفيت خلفها مشاريع السيطرة والنفوذ. كان الشرق الأدنى، بموقعيته الجغرافية وثرائه الطبيعي، الهدف الحقيقي لتلك الحملات، وكانت سوريا، لا بوصفها دولة بحدودها الحديثة بل كسوريا الطبيعية وسواحلها، درّة الدرر في هذا الشرق. ومن هنا تنطلق هذه القراءة في محاولة لسبر أغوار صراع لم ينقطع، بل تغيّرت أدواته وأقنعته.

تشير الدراسات الجيولوجية، منذ ما قبل تشكّل السرديات السياسية الحديثة، إلى أن لبنان، درّة الشرقين، ليس مجرد مساحة صغيرة على الخريطة، بل خزان استراتيجي لثروات طبيعية تشكّل مفتاح المستقبل وفق معايير الاقتصاد والطاقة في القرن الحادي والعشرين. فلبنان الذي اكتُشف فيه النفط للمرة الأولى في مطلع القرن التاسع عشر على يد بعثة بريطانية، طُوي ملفه لاحقاً حتى خمسينات القرن العشرين، وأُغلق باب التنقيب لأسباب بقيت حبيسة الصالونات السياسية. ومع ذلك، لم يُقفل النقاش فعلياً، بل ظل يتردّد همساً حتى مطلع الألفية الثالثة.

في هذا السياق، حاول الرئيس الشهيد رفيق الحريري إعادة فتح هذا الملف، لكن محاولاته اصطدمت بجدار الصمت. إلى أن جاء عام 2009، حين أجرت شركة فرنسية مسحاً زلزالياً لشواطئ شرق المتوسط، من الجزر اليونانية إلى الإسكندرية. النتائج لم تكن تقنية فحسب، بل أحدثت صدمة سياسية: الساحل السوري، بمعناه الجيولوجي الطبيعي، تبيّن أنه خزان عائم من الغاز والنفط، بل وحتى من المياه العذبة الصالحة للشرب. ومع توالي الدراسات، امتد الاكتشاف ليشمل البر اللبناني، حيث تأكد وجود النفط في مناطق سحمر ويحمر في البقاع الغربي، والقاع والهرمل في البقاع الشمالي.

ومع التطور التقني المتسارع في أدوات الاستكشاف، باتت القناعة شبه راسخة بأن لبنان ليس استثناءً عارضاً، بل عقدة موارد نادرة في شرق المتوسط. وفي عامي 2013 و2014، وخلال مساهمة البريطانيين في بناء أبراج مراقبة على الحدود الشرقية مع سوريا، من القاع إلى جرود نحلة وبعلبك، كشفت عمليات المسح الزلزالي عن ثروات غير منظورة، ما يفسّر استمرار الاهتمام الغربي بتلك المنطقة. لاحقاً، جاءت اكتشافات رواسب ضخمة من معادن الأرض النادرة في جبل لبنان ومناطق أخرى، لتضيف عنصراً جديداً إلى معادلة الصراع، وتحوّل لبنان من ملف مهمل إلى محور اهتمام دولي متصاعد. وما ينطبق على لبنان ينسحب على سوريا، الدولة التي تحوّلت ثرواتها الطبيعية إلى أحد الأسباب العميقة للحرب عليها، فكانت بؤرة صراع.

من هذه النقطة، يصبح المشهد السوري الراهن مفهوماً ضمن سياق أوسع. فالصراع على النفط والغاز في شمال شرق سوريا لم يعد مجرد خلاف داخلي، بل بات قلب المواجهة حول شكل الدولة السورية المقبلة. سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" على معظم حقول النفط والغاز حرمت دمشق من مورد سيادي أساسي، وجعلت الطاقة أداة سياسية بامتياز. فالدولة التي تسعى إلى إعادة إعمار تُقدَّر كلفته بأكثر من مئتي مليار دولار لا يمكنها النهوض دون استعادة قطاع الطاقة كاملاً، لا بوصفه مورداً مالياً فحسب، بل كدليل على وحدة القرار والسيادة.

في المقابل، تمثّل هذه الحقول بالنسبة لـ"قسد" شريان حياة مالياً وورقة تفاوض مركزية. غير أن هذه السيطرة، رغم أهميتها الآنية، تفتقر إلى مقومات الاستدامة: لا اعتراف قانونياً دولياً، ولا قدرة تقنية أو مالية على إعادة تأهيل البنية التحتية على نطاق واسع. من هنا، يصبح الصدام مؤجلاً لا ملغياً، وتغدو التسوية ضرورة لا خياراً.

الولايات المتحدة تتقدّم هنا كمهندس للتوازنات، لا كوسيط تقليدي. هدفها المعلن هو الحفاظ على دولة سورية موحدة وقابلة للحياة، قادرة على احتواء التهديدات الأمنية دون وجود عسكري دائم. أما تركيا، فتنظر إلى المعادلة من زاوية أمنها القومي، وتتعاطى مع أي كيان كردي ممول ذاتياً على حدودها بوصفه خطراً استراتيجياً، حتى لو تعارض ذلك مع مسارات الطاقة الإقليمية.

في الخلفية، يتحرك غاز شرق المتوسط كلاعب صامت يعيد رسم خرائط النفوذ. إلغاء "قانون قيصر"، إدخال الغاز الإسرائيلي في مشاريع إقليمية، إحياء "الأنبوب العربي"، وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي للطاقة، ليست تطورات منفصلة، بل أجزاء من هندسة سياسية جديدة. الغاز لم يعد مورداً اقتصادياً فحسب، بل أداة لإعادة تشكيل العلاقات، وربط الاستقرار بالاقتصاد، والنفوذ بالبنية التحتية.

هكذا، يتكشّف أن الصراع على الشرق لم يتوقف يوماً. تغيّرت لغته من اللاهوت إلى الجيولوجيا، ومن السيوف إلى خطوط الأنابيب، ومن الحملات الصليبية إلى التنافس على النفط والغاز. لكن الجوهر واحد: أرض تختزن ثروة، وموقع يتحكّم بالمسارات، وقوى كبرى تتنافس على من يمسك بمفاتيح المستقبل. ومن لا يقرأ هذا الشرق بعين الاقتصاد والطاقة، سيبقى أسير سرديات الماضي، فيما تُدار معارك الغد في عمق الأرض وتحت سطح البحر.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور