لطالما عُلقت آمال الشعب السوري على العيش ضمن نظام عادل يضمن له حقوقه والتعبير عنها دون قمع أو ابتزاز. وبعد سقوط النظام السابق، واحتفاء السوريين بحفلة "التغيير" وخروجهم إلى الشوارع ظناً منهم أن تمثل السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع فصلًا جديدًا في تاريخ سوريا، يضع حداً لانتهاكات حقوق الإنسان، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. يكشف الواقع اليوم عن مفارقة مقلقة إذ إن مراكز الاحتجاز نفسها التي اشتهرت بالقمع والتعذيب تحت الحكم السابق أعيد فتحها، وها هي تواصل احتجاز السوريين دون تهم واضحة أو إجراءات قانونية عادلة، في خطوة تثير تساؤلات حول جدية التغيير المزعوم.
تكشف التحقيقات الميدانية وشهادات المحتجزين وعائلاتهم أن العديد من السوريين ما زالوا يواجهون ظروفاً مأساوية داخل السجون، حيث الاكتظاظ الشديد ونقص الغذاء والرعاية الصحية أصبحوا جزءًا من الواقع اليومي. هذه الممارسات، التي كان من المفترض أن تختفي مع سقوط النظام السابق، استعادت ترسيخ السياسات القمعية، بل وتجاوزتها أحيانًا في الابتزاز المالي والإخفاء القسري. حيث أظهر تحقيق لوكالة "رويترز" عن حالات وفاة محتجزين دون إعلام ذويهم إلا بعد دفنهم وهو ما يضع السلطة الانتقالية -التي حذفت من لوائح الإرهاب- في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي وحقوق الإنسان.
أحد أبرز الملفات المقلقة هو إعادة تشغيل السجون التي كانت تُعد رموزًا للقمع، مثل سجن المزة العسكري وفرع الخطيب. هذه المنشآت، التي كانت تحت إدارة أجهزة المخابرات السورية السابقة، أصبحت مرة أخرى مسرحًا لانتهاكات حقوقية متكررة، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية دون توجيه تهم، استخدام أساليب تعذيب، ونقل المعتقلين بين مراكز الاحتجاز بصورة تعسفية. كل هذه الممارسات تؤكد أن الانتقالية الحالية لم تتخلص بعد من إرث العنف، بل يبدو أنها أعادت إنتاجه تحت إدارة جديدة.
كذلك بلغ عدد المعتقلين المسجلين في مراكز الاحتجاز منذ استلام الشرع السلطة نحو 829 شخصًا، مع تقديرات بأن يتجاوز العدد الحقيقي الرقم المعلن عنه. وتوضح هذه الحالات أن غياب العدالة القانونية يتيح استمرار الانتهاكات، ويؤدي إلى استغلال المعتقلين وأسرهم. لا سيما مع ورود تقارير تفيد بحالات ابتزاز مالي بمختلف المبالغ، تبدأ من بضع مئات إلى عشرات آلاف الدولارات، بحسب موقع وثروة العائلة التي يتم التعامل معها وفي أي مجال تعمل.
ما يفاقم الأزمة هو غياب آليات الانتصاف القانوني. فمثلاً تسمح بعض السجون بحسب "رويترز" بزيارات محدودة للمحامين والعائلات، بينما يُحرم آخرون من أي تواصل. هذا الاختلاف في التعامل يزيد من حالة الإحباط واليأس بين المواطنين، ويؤكد أن السلطة الانتقالية لم تقم بخلق أي إطار مؤسساتي لضمان الحقوق الأساسية للمحتجزين. مع ارتفاع حالات الإخفاء القسري، التي تمتد لأشهر دون أي خبر عن المفقود.
وتحمل العودة إلى هذه الممارسات أبعادًا سياسية عميقة. فإعادة فتح السجون واتباع أساليب القمع نفسها ترسل رسالة واضحة للمجتمع السوري بأن السلطة الانتقالية، رغم ما قامت به من تغييرات على صعيد المظهر فقط، ما زالت ماضية في فرض السيطرة بأساليب النظام السابق. هذا الأمر يقوض الثقة الشعبية ويزيد من الانقسام بين الدولة والمواطنين، ويجعل أي محاولة لبناء مجتمع مستدام أكثر صعوبة.
كما تعكس هذه الممارسات تحديًا للرقابة الدولية التي من المفترض أن يكون الشرع تحت نظرها، وكل الدعم الخارجي الذي تتلقاه السلطة الانتقالية من الدول التي "تحترم الإنسان" بوصفها سلطة جديدة تهدف إلى التحسين هو دعم يضع الإنسان تحت المقصلة. دون إجراءات رادعة أو آليات مساءلة واضحة، ما يعيد إنتاج المأساة السورية.
كما تعكس هذه القضية أزمة أعمق في مفهوم الانتقالية. فإذا كانت السلطة الجديدة غير قادرة على وضع حد لانتهاكات السجون، فإن أي مشروع سياسي آخر سيبقى هشًا وغير مكتمل. ما سيبقي الشعب السوري ضحية لنفس الآليات القمعية، مع اختلاف الأسماء فقط.
لذلك لا يمكن أن تكون الانتقالية مجرد تغيير شكلي، بل يجب أن تتضمن إصلاحًا جذريًا للمؤسسات الأمنية والقضائية، وتطبيق العدالة، وإغلاق كل المظاهر التي تكرس التعذيب والاعتقال التعسفي. أي فشل في ذلك سيجعل سوريا تعيش نفس مأساة الماضي وسيجعل استقرارها وأمنها على المحك مرة أخرى.
الكاتب: غرفة التحرير