الأربعاء 24 كانون الاول , 2025 04:10

أي دولة نريد؟ سلاح المقاومة العراقية بين السيادة والقرار

عناصر الحشد الشعبي خلال استعراض عسكري

ليس في موقف فصائل المقاومة العراقية، حول موضوع حصرية السلاح بيد الدولة أي تناقض مع فكرة الدولة القوية، بل على العكس تماماً: فهذه الفصائل هي من أكثر القوى حرصاً على قيام دولة عراقية مقتدرة، ذات سيادة حقيقية وغير منقوصة، وخالية من أي وجود عسكري أجنبي مهما كانت الذرائع والحجج.

غير أنّ الخلاف الجوهري لا يدور حول المبدأ، بل حول التوقيت والشرط: فلا دولة مكتملة السيادة في ظل وجود قوات أجنبية، ولا حصرية للسلاح بينما القرار الأمني ما زال مرتهناً لوجود عسكري أميركي يعيد إنتاج نفسه كلما أعلن عن انسحاب أو تقليص.

المقاومة العراقية، بمختلف أطيافها، تنطلق من معادلة واضحة: السلاح ليس غاية ولا امتيازاً، بل وظيفة دفاعية فرضتها ظروف استثنائية. وحين تنتفي هذه الظروف، وفي مقدّمها الوجود العسكري الأميركي والتركي، يصبح النقاش حول السلاح نقاشاً طبيعياً داخل الدولة ومؤسساتها. لكن التجربة المريرة منذ عام 2003 تؤكد أن واشنطن لم تغادر العراق يوماً بإرادتها الحرة، بل كانت في كل مرة تعلن فيها الانسحاب، تعود باختراع ذرائع أمنية جديدة: "تنظيم داعش" الوهابي الإرهابي، "حماية البعثات"، "تدريب"، "استشارات"، أو "تهديدات إقليمية". هذا السلوك هو ما يجعل فصائل المقاومة مثل "كتائب حزب الله" و"النجباء" وحتى "عصائب أهل الحق" و"كتائب سيد الشهداء" ترى في السلاح ضمانة سيادة، لا عبئاً عليها.

في المقابل، فإن الفصائل التي أعلنت قبولها بمبدأ حصر السلاح، أو دمجه ضمن الأطر الرسمية، لم تفعل ذلك من موقع الخضوع أو الانكسار، بل من موقع قراءة سياسية داخلية ترى أن الاشتباك يمكن أن يُدار اليوم من داخل البرلمان والحكومة، لا من خارجهما. وهذا المسار، بحد ذاته، لا يلغي منطق المقاومة، بل يعكس تعدد أدواتها وتكيّفها مع المرحلة، خاصة في ظل نتائج انتخابية عززت حضور القوى الرافضة للهيمنة الأميركية داخل مؤسسات الدولة. وما يبدده هذا الخيار تحديداً هو الذريعة الأميركية الدائمة: استخدام "سلاح الفصائل" كأداة ابتزاز سياسي لمنع قيام حكومة تعبّر عن التوازنات الحقيقية للمجتمع العراقي.

الخلاصة أن المقاومة العراقية ليست مشروعاً موازياً للدولة ولا نقيضاً لها، بل هي نتاج فراغ سيادي صنعه الاحتلال، واستمر بفعل الإصرار الأميركي على البقاء والتحكم بالاقتصاد والأمن والقرار السياسي. وحين ينسحب الأميركي فعلياً، لا شكلياً، وحين يتوقف عن إعادة تدوير وجوده تحت مسميات جديدة، ستنتفي الحاجة الموضوعية لأي سلاح خارج إطار الدولة. أما قبل ذلك، فإن المطالبة بتجريد المقاومة من سلاحها لا تُقرأ كدعوة لبناء الدولة، بل كمحاولة مكشوفة لإعادة العراق إلى معادلة الوصاية، وإفراغ السيادة من معناها الحقيقي.

كما تدرك الولايات الأمريكية المتحدة جيداً أن معركة "حصرية السلاح" في العراق، ليست سوى معركة وقت، فهي تعي أن مسار التحولات الإقليمية والدولية لا يصبّ في مصلحتها على المدى المتوسط والبعيد، وأن قدرتها على التأثير والتحكّم في القرار العراقي آخذة في التآكل. من هنا، يأتي تركيزها المحموم على ملف سلاح المقاومة بوصفه محاولة استباقية لـ"تحصين الخسارة" قبل حلولها، عبر تفريغ أي قوة عراقية مستقلة من عناصر الردع. وفي هذا السياق تحديداً، تستثمر واشنطن في الانفلاش العدواني الإسرائيلي، سواء في فلسطين أو لبنان أو على مستوى التهديدات الإقليمية، كأداة ترهيب غير مباشرة: رسالة نار ودم مفادها أن من يحتفظ بسلاحه سيدفع الثمن، وأن البديل عن الانصياع السياسي هو الفوضى أو الاستهداف. غير أن هذا الرهان، كما أثبتت التجارب، لا يصنع دولة مستقرة ولا سيادة حقيقية، بل يعمّق القناعة لدى قوى المقاومة بأن السلاح، في هذه المرحلة، ليس خياراً أيديولوجياً فحسب، بل ضرورة دفاعية في مواجهة مشروع إقليمي لا يزال يقوم على الإخضاع بالقوة لا على الشراكة والاحترام المتبادل.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور