تتناول الدراسة المرفقة أدناه، للكاتب شادي علي، صفقة الغاز المصرية–الإسرائيلية بوصفها حدثًا اقتصاديًا ظاهريًا، لكنه في جوهره يعكس تحوّلًا عميقًا في العقيدة الاستراتيجية المصرية ووظيفتها الإقليمية ضمن نظام شرق المتوسط بعد عام 2013. وتنطلق من إطار نظري يربط الصفقة بما تسميه "الجمهورية الثانية"، حيث جرى الانتقال من نموذج الدولة المنتِجة ذات الهامش السيادي النسبي، إلى نموذج رأسمالية الدولة القسرية والاقتصاد الموازي الذي تهيمن عليه الأجهزة السيادية، ما جعل قرارات الطاقة جزءًا من منظومة الضبط السياسي لا من التخطيط التنموي.
وتستعرض الدراسة السياق التاريخي لتحولات الطاقة في مصر، من مرحلة تصدير الغاز إلى إسرائيل قبل 2011، مرورًا بمرحلة الاضطراب بعد الثورة، وصولًا إلى اكتشاف حقل "ظُهر" الذي رُوّج له كمدخل للاكتفاء الذاتي. غير أن الإدارة المكثفة وغير المستدامة للحقل، بالتوازي مع تصاعد الاستهلاك المحلي وأزمة الديون، أدت إلى انهيار أسطورة الاكتفاء الذاتي، وأعادت مصر إلى موقع المستورد الصافي للغاز، ما مهّد الطريق لصفقة طويلة الأمد مع إسرائيل.
وتفكك الدراسة الصفقة الجديدة (2025–2040) من حيث أرقامها وحجمها غير المسبوق، مبيّنة أنها لا تقتصر على التبادل التجاري، بل تقوم على شبكة معقدة من الشركات الوسيطة، أبرزها شركات مرتبطة بجهاز المخابرات العامة، بما يحوّل عوائد الصفقة إلى اقتصاد موازٍ خارج الموازنة العامة. وتُظهر كيف أن البنية التحتية – من خطوط الأنابيب إلى محطات التسييل – أعادت ربط أمن الطاقة المصري مباشرة بالقرار الإسرائيلي، في إطار تبعية هيكلية طويلة المدى.
وتؤكد الدراسة سقوط سردية "مصر كمركز إقليمي للطاقة"، معتبرة أن القاهرة تحوّلت فعليًا من لاعب منتِج ومتحكّم إلى سوق استهلاكية وممر لوجستي للغاز الإسرائيلي، بينما انتقلت القيمة الاستراتيجية والريعية إلى إسرائيل. وترى أن أزمات انقطاع الكهرباء استُخدمت ضمن "عقيدة الصدمة" لتهيئة الرأي العام لقبول هذا المسار باعتباره ضرورة لا خيارًا.
وفي بعدها الجيوسياسي، تشرح الدراسة كيف تحوّل الغاز إلى أداة ضغط سياسي خلال حرب غزة، إذ قيّدت التبعية الطاقية هامش القرار المصري، وأسهمت في تحييد الدور المصري أو دفعه نحو "الوساطة الصامتة"، في مقابل ترسيخ إسرائيل كقوة طاقة إقليمية تُفرض عبر الأنابيب لا عبر التسويات السياسية. كما تربط الصفقة بإعادة تشكيل التوازنات في شرق المتوسط، من خلال عزل تركيا وتعزيز المحور المدعوم أمريكيًا، مع دور مركزي لشركة "شيفرون" كذراع دبلوماسية واقتصادية لواشنطن.
وتختتم الدراسة باستشراف ثلاثة سيناريوهات مستقبلية: الأول يقوم على استخدام الضغط الاقتصادي والطاقي لتمرير تسويات كبرى في الملف الفلسطيني، والثاني يتمثل في استمرار التبعية والهشاشة حتى نهاية العقد، أما الثالث فيفترض انفجارًا اجتماعيًا أو إعادة تعريف وظيفي للنظام في حال تعرّضت إمدادات الغاز لأي صدمة إقليمية كبرى. وتخلص في مجملها إلى أن صفقة الغاز ليست حلًا لأزمة الطاقة، بل إعادة صياغة لدور مصر الإقليمي ضمن معادلة أمنية–اقتصادية تتقدّم فيها متطلبات الاستقرار الوظيفي على اعتبارات السيادة والاستقلال الاستراتيجي.
لتحميل الدراسة من هنا
الكاتب: شادي علي