يشكّل هذا الكتيّب محاولة منهجية لفهم طبيعة التحوّل الذي طرأ على أنماط الحرب التي يخوضها جيش الاحتلال، منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وانتقاله من نموذج الحروب النظامية الواسعة إلى ما يُعرَف بـ "الحروب الصغيرة" أو "العمليات المحدودة"، في مواجهة "فاعلين غير دولتيين" يمتلكون قدرات عسكرية متقدّمة ويعملون وفق منطق هجين يجمع بين "حرب العصابات" وبعض سمات القتال النظامي. ومن خلال مجموعة من "الباحثين والخبراء العسكريين" المرتبطين بمركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية، يقدّم الملف إطارًا تحليليًا متكاملًا يتناول العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وأدوات الردع، وحدود الحسم، وطبيعة الصراع مع "المنظمات اللادولتية"، إضافة إلى أبعاد الحرب السياسية، والجبهة الداخلية، والعلاقة بين المستويين السياسي والعسكري.
تُظهر المقالات مجتمعة أن مفهوم "الردع" لا يزال يحتلّ موقعًا مركزيًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، غير أنّ فعاليته باتت إشكالية عندما يُوجَّه ضد خصوم لا يعملون بمنطق دولتي تقليدي، بل بمنطق أيديولوجي ثوري يقبل تكاليف عالية ولا يربط بالضرورة بين الخسائر العسكرية والقرار السياسي. وفي هذا السياق، يتقاطع معظم الباحثين عند استنتاج مفاده أن الحسم العسكري الشامل، كما صيغ في الحروب النظامية، لم يعد هدفًا واقعيًا أو قابلًا للتحقق في الحروب اللامتماثلة، وأن البديل العملي يتمثّل في حسم ظرفي أو تراكمي يهدف إلى إضعاف الخصم، وفرض أثمان متصاعدة عليه، وبلورة فترات ردع مؤقتة بدل إنهاء الصراع. ويبرز الملف تمييزًا تحليليًا مهمًا بين "المنظمات اللادولتية" نفسها، ولا سيما بين حزب الله وحركة حماس، من حيث البنية الاجتماعية، والبيئة الحاضنة، ومصادر التمويل، والارتباطات الإقليمية. هذا التمييز يقود إلى استنتاج أساسي مفاده أن أي استراتيجية ناجعة لا يمكن أن تكون موحّدة، بل يجب أن تُبنى على "خريطة ألم" خاصة بكل تنظيم، تستهدف نقاط ضعفه المحددة، سواء كانت بشرية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو إدراكية.
على المستوى الاستراتيجي - السياسي، يؤكّد الكتيّب أن العمليات المحدودة لا يمكن تقييمها فقط من زاوية الإنجاز العسكري، بل يجب ربطها بالشرعية الداخلية والدولية، وبإدارة البعد الإدراكي والوعيي للصراع. فالحرب، وفق هذا المنظور، ليست فقط صدامًا للنيران، بل معركة على الوعي، وعلى صورة "الجدوى" و"الانتصار" لدى الطرفين. كما يلفت الباحثون إلى أن إطالة أمد الصراع، والصبر الاستراتيجي، قد يكونان أكثر انسجامًا مع طبيعة المواجهة الحالية من السعي الدائم إلى حسم سريع لا يتوافر له أساس واقعي.
أما على صعيد البيئة الداخلية، فيبرز استنتاج محوري يتمثل في أن "الجبهة المدنية" باتت هدفًا مركزيًا في استراتيجيات الخصوم، وأن قدرة الصمود المجتمعي لم تعد عنصرًا ثانويًا، بل مكوّنًا حاسمًا في معادلة الردع. ويخلص الملف إلى أن افتراض حسم الحرب عبر تقصير زمنها لم يعد كافيًا، وأن تعزيز حماية الجبهة الداخلية وإدارة توقعات الجمهور يشكّلان شرطًا أساسيًا لاستمرار القدرة على خوض حروب طويلة ومنخفضة الشدة.
وعليه، يعكس هذا الكتيّب تحوّلًا فكريًا واضحًا في مقاربة الحرب والأمن، من منطق الحسم السريع والحروب الفاصلة، إلى منطق إدارة صراع ممتدّ، يقوم على الردع النسبي، والاستنزاف المتبادل، والتكيّف المستمر مع بيئة استراتيجية متغيّرة. وبالتالي، لا يقدّم الملف وصفًا للحروب الصغيرة فحسب، بل يطرح مراجعة نقدية عميقة لحدود العقيدة العسكرية والاستراتيجية في عصر "الحروب اللامتماثلة" و"الفاعلين غير الدولتيين".
لتحميل الدراسة من هنا
المصدر: مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية (BESA) - جامعة بار-إيلان
الكاتب: مجموعة من الباحثين: إفرايم عنبر، إيتان شامير، هيليل فريش، عيران ليرمان، يعقوب عميدرور، عوزي روبين، موني حوريف