السبت 27 كانون الاول , 2025 11:48

متاهة "السلام" في غزة

خيام نصبها أهل غزة على طول شارع الرشيد غرب مدينة غزة

في غزة، لا يبدو السلام سوى مفهوم فاقد لمعناه. يُتداول في المؤتمرات الدولية، ويُستحضر في خطابات القادة، ويُعلن عنه كإنجاز، فيما يبقى غائبًا عن حياة الناس اليومية هناك. فبين وقف إطلاق نار لا يُشبه الوقف بشيء، ومفاوضات تعقد حول مستقبل الفلسطينيين من دونهم، تعيش غزة واقعًا يناقض كل ما يُقال. في مقال نشرته صحيفة "الغارديان" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ تقول الكاتبة: "في غزة، نحن عالقون في متاهة لا نهاية لها من الانتظار، انتظار السلام، وتوقف الموت، وبدء حياتنا من جديد".

النص المترجم:

هنا في غزة، نسمع كلمة "السلام" باستمرار بل أكثر مما نسمع هدير الطائرات الحربية أو دويّ القصف. تتكرر على شاشات التلفزة، وفي بيانات قادة العالم، وفي وعود تُعاد مرارًا وتكرارًا. كل دولة تدّعي أنها تريد السلام للفلسطينيين، لكن هل عشنا هذا السلام يومًا واحدًا؟ الحقيقة أننا لم نفعل. نحن نعيش الآن تحت ما يُسمّى وقفًا لإطلاق النار، أو هكذا تقول لنا الولايات المتحدة وبقية العالم، لكننا في غزة لم نشعر به إطلاقًا. أُعلن عنه في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر وسط احتفالات كبيرة في شرم الشيخ، ومنذ ذلك الحين قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 360 فلسطينيًا في غزة، بينهم نحو 70 طفلًا. وبسبب الانفجارات التي ما زلت أسمعها، لا أزال أخاف من مغادرة المنزل. نحن عالقون في متاهة لا تنتهي من الانتظار: انتظار أن يتوقف الألم، وأن تعود حياتنا لتبدأ من جديد، وقبل كل شيء، أن يتوقف الموت.

وفيما يناقش قادة العالم "اليوم التالي" ويضعون اللمسات الأخيرة على خططهم للسلام، مقترحين ومقرّرين مصيرنا من دوننا، نبقى نحن غارقين في المجهول، نكاد نغرق في الخوف والارتباك اللذين خلّفتهما الحرب. أنا وعائلتي نستأجر الآن شقة صغيرة غير ملائمة، والحياة اليومية بالغة الصعوبة: المياه شحيحة، والسيولة النقدية شبه معدومة في ظل تعطّل أجهزة الصراف الآلي، والشوارع مدمّرة إلى حد يجعل المشي أو القيادة خطرًا دائمًا. لا كهرباء ولا إنترنت موثوقًا، ولا أي إحساس بالاستقرار أو الأمان. أرى عائلات تعيش داخل منازل مدمّرة، وتعلوها مبانٍ مهددة بالانهيار في أي لحظة؛ لا خيار لديهم سوى البحث عن سقف يقيهم، حتى لو كان قد ينهار في أية ثانية. ومع حلول كانون الأول/ديسمبر، ومع انعدام المنازل وحصر حياتنا في الخيام، بات بعضنا غارقًا حرفيًا في مياه الشتاء والوحل، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وعلى امتداد الحدود التي أُنشئت حديثًا في غزة، حيث استولت "إسرائيل" على المزيد من أراضينا ومنازلنا، ظهرت حدود غير مرئية يسمّونها "الخط الأصفر". على الجانب الشرقي من هذا الخط تُهدم المنازل يوميًا، ولا يستطيع الناس النوم بسبب شدة الانفجارات ورائحة الدخان، ونسمع روايات عن إطلاق النار على الأطفال إذا اقتربوا من هذا الخط أو تجاوزوه، رغم أنه خط لا يراه أحد. في مطلع كانون الأول/ديسمبر زرتُ أقارب لي في مدينة غزة لا يزال منزلهم قائمًا قرب هذا "الخط الأصفر". كان المنزل يهتز باستمرار بفعل نيران المدفعية وما نطلق عليه "الروبوتات المتفجرة" -أجهزة أرضية تُدار عن بُعد ومحمّلة بكميات كبيرة من المتفجرات، قادرة على تدمير أحياء سكنية كاملة-. ويُبقون النوافذ مغلقة معظم الوقت بسبب الدخان المتصاعد من الهجمات القريبة، والذي يخشون أن يكون ناتجًا عن أسلحة قائمة على الفوسفور.

نحلم بالسلام والأمان اللذين من حقّنا، لكنهما يبدوان اليوم وكأنهما لا يوجدان إلا في عالم من الخيال. وفي الطرف الآخر من العالم، تناقش دولٌ مسألة منحنا هذا الحق وكأنه أمر محرّم، وكأننا لسنا مستحقين له. نحن نتوق إلى أبسط معاني الأمان: منزل لا يُدمَّر، أحبة قد يلتقون مجددًا، أحلام يمكن أن تتحقق، ليالٍ بلا خوف أشياء يعتبرها معظم الناس في أماكن أخرى بديهيات.

عندما سمعتُ عن "وقف إطلاق النار" في تشرين الأول/أكتوبر، شعرتُ بالفرح والأمل، معتقدةً أنه سيشكّل نهاية الحرب وبداية حياة جديدة مليئة بالأمان والسلام. لكن ها أنا اليوم، في نهاية كانون الأول/ديسمبر، ما زلت أنتظر أي تغيير حقيقي. وبينما تتأخر بنود وقف إطلاق النار على أرض الواقع، تُسكب الدموع ليلًا. أنتظر أن أرى خطيبي، حبيبي، الذي لم أره منذ عامين كاملين لأن التنقّل بين وسط قطاع غزة وجنوبه كان شديد الخطورة. سافر إلى مصر في نيسان/أبريل 2024، ومنذ ذلك الحين لا يستطيع العودة، كما أنني لا أستطيع المغادرة. وكالكثير من الأمور في هذه الحرب، تأجّل أملنا، وعليّ أن أنتظر أكثر لأكون مع من أحب، بسلام. هذا هو العذاب الحقيقي للفلسطيني: انتظار المجهول ومحاولة التمسك بالأمل، وأحيانًا يبدو ذلك أقسى من الموت نفسه.

وقال بنيامين نتنياهو هذا الشهر إن المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار باتت قريبة من الاكتمال، لكن شيئًا من ذلك لم يتحقق على أرض الواقع، وما زلنا مُقصين عن المفاوضات التي تتحدث عن مستقبلنا من دوننا. غزة الجميلة التي نحلم بالعودة إليها لم تعد موجودة؛ ما نراه هو الركام والمعاناة، أما العالم واجتماعاته المتواصلة حول مستقبلنا فلم تُنتج شيئًا يمكننا أن نشعر به أو نلمسه. ومع ذلك نحاول أن نخلق لأنفسنا شكلًا من أشكال السلام، ولو كان هشًّا أو زائفًا، ونتمسّك بالأمل حتى حين يبدو واهيًا، ونبحث عن لحظات عابرة من الفرح لننجو من هذا الانتظار القاتل. نحاول إعادة بناء حياة من الرماد، لأننا كما كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش "نحمل الأمل كمرض، ونشعر بكل شيء بعمق". وفي النهاية، يبقى هذا الأمل هو كل ما نملكه للاستمرار، بينما يناقش العالم السلام من بعيد.


المصدر: The Guardian

الكاتب: Aya Al-Hattab




روزنامة المحور