لم يعد التفكك والحروب، التي تشهدها عدة دول عربية نتيجة عفوية لصراعات داخلية معزولة، بل بات ظاهرة متكررة تحمل بصمات تدخلات خارجية ممنهجة، تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق خرائط نفوذ جديدة. وفي قلب هذه التدخلات، يبرز الدور الإماراتي بوصفه عاملاً مشتركاً في تغذية الانقسامات، وتمكين الأطراف المحلية الانفصالية المسلحة، وإضعاف الدول المركزية والجيوش الوطنية.
من ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى الصومال، تتكشف ملامح سياسة واحدة تقوم على تفريغ الدولة الوطنية من مضمونها، وإدامة الصراع بوصفه أداة للسيطرة الجيوسياسية. هذه السياسة لا تنفصل عن منظومة إقليمية أوسع تتقاطع فيها المصالح الإماراتية مع الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على تفتيت الدول ذات الثقل الجغرافي والبشري، والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وتحويل الإقليم إلى فسيفساء من الكيانات الضعيفة المتناحرة، التي ستشغلها قضاياها حتماً عن مواجهة أي أخطار خارجية أمريكية وإسرائيلية، وستجعلها لا تقوم بأي دور فعال داعم للقضية الفلسطينية.
دور الإمارات المزعزع للاستقرار في ليبيا
منذ سقوط معمر القذافي، تكافح ليبيا لإعادة بناء دولة موحدة من أنقاض الحرب والانهيار المؤسسي والتدخل الأجنبي. ومن بين أكثر الجهات الخارجية التي تحدث ضرراً، هي الإمارات، الداعمة الرئيسية سياسياً ومالياً وعسكرياً للجنرال خليفة حفتر، وهو ما يتسبب في عرقلة الوحدة الليبية. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، رسّخ تدخل الإمارات الانقسام، وأطال أمد الصراع، وتوافق مع الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية الأوسع نطاقاً الرامية إلى تفتيت دول المنطقة – لا سيما الدول العربية ذات الموارد الطبيعية والموقع الجيوستراتيجي في حوض البحر الأبيض المتوسط (والتي بإمكانها دعم حركات المقاومة خاصة الفلسطينية بقوة) - إلى كيانات ضعيفة متنافسة.
منذ البداية، صوّرت الإمارات دعمها لحفتر كجزء من حملة ضد "الإسلام السياسي" والميليشيات. إلا أن هذا الدعم، في الواقع، تُرجم إلى تدخل عسكري مباشر: شحنات أسلحة في انتهاك لحظر الأمم المتحدة، وغارات بطائرات بدون طيار، ومرتزقة، وغطاء دبلوماسي لمحاولات حفتر المتكررة للاستيلاء على السلطة بالقوة، مثل الهجوم على طرابلس في فترة 2019-2020 والذي كان الأكثر خطورة، إذ أدى إلى عرقلة المحادثات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وأدخل البلاد في واحدة من أكثر مراحلها دموية منذ عام 2011. فبدلاً من توحيد ليبيا، رسّخت حملة حفتر الانقسامات بين الشرق والغرب، وقوّضت الثقة الهشة اللازمة للتوصل إلى تسوية وطنية. والتأثير المهم أيضاً من ذلك، أن عواقب هذه السياسة تتجاوز حدود ليبيا نفسها. حيث يؤدي انقسام هذا البلد إلى إضعاف دول شمالي أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، مما يخلق فراغات أمنية، ويعطل طرق الطاقة، ويغذي الهجرة غير النظامية - وهي ظروف تصب في مصلحة جهات خارجية تسعى إلى النفوذ بدلاً من الاستقرار. وهنا، يتجلى التداخل مع التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. فعلى مدى عقود، اعتبرت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تفتيت الدول العربية الكبرى إلى كيانات أصغر منقسمة داخلياً أمراً مفيداً، إذ يقلل من احتمالية وجود معارضة إقليمية موحدة ويحول الانتباه عن القضية الفلسطينية.
دور الإمارات المزعزع للاستقرار في اليمن
بات معلوماً أن مأساة اليمن هي نتيجة للصراعات الداخلية التي يحركها التنافس الإقليمي على النفوذ، أي من الإمارات والسعودية (الطرف الإقليمي الذي لطالما اعتبر اليمن حديقته الخلفية).
ومؤخراً ظهر الدور الإماراتي في الأحداق اليمنية، من خلال دعمها المتواصل لعيدروس الزبيدي – وغيره مثل طارق صالح - والمجلس الانتقالي الجنوبي، مقوّضةً بذلك الوحدة اليمنية، ومضعفةً بذلك أي آفاق لتسوية سياسية شاملة، لأنها بهذا الأمرر تضمن إبقاء البلاد في حالة حرب دائمة. ولا تخدم هذه السياسة طموحات الإمارات في جنوبي اليمن فحسب، بل تتكامل أيضاً مع أهداف إسرائيلية استراتيجية أوسع نطاقاً تُفضّل تفكيك هذا البلد، الذي أكّد أهميته خلال معركة وحرب طوفان الأقصى، حينما ساندت القوات المسلحة اليمنية بكل بسالة الشعب الفلسطيني والمقاومة في قطاع غزة، وتمكنت من فرض حصار بحري على كيان الاحتلال الإسرائيلي من خلال منع واستهداف سفنه في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب (ما أدى الى وقوع خسائر إسرائيلية اقتصادية واستراتيجية)، ومن خلال ضرب الأهداف الحساسة التابعة للكيان في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومنذ تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، تعاملت الإمارات معه كسلطة موازية لأي حكومة يمنية (عدن أم حتى صنعاء لضمان حال الانقسام والصراع) وسرعان ما أعادت أبوظبي تقديم عيدروس الزبيدي، الذي أقاله الرئيس عبد ربه منصور هادي من منصب محافظ عدن، كواجهة سياسية وعسكرية لمشروع انفصالي جنوبي مُعاد إحياؤه. وحوّل التمويل والتدريب والتسليح والرعاية السياسية الإماراتية المجلس الانتقالي الجنوبي إلى قوة مؤثرة قادرة على الاستيلاء على الأراضي والسيطرة على الموانئ وتحدي الدولة اليمنية علنًا. لم تكن عمليات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المتكررة على عدن انتفاضات عفوية، بل كانت النتيجة المنطقية لاستراتيجية تهدف إلى تقويض سلطة الدولة من الداخل.
كان لهذا النهج عواقب وخيمة على الوحدة اليمنية. فبدلاً من توحيد قوى مناهضة الحرب حول أجندة وطنية، عززت الإمارات هياكل أمنية وميليشيات متنافسة لا تدين بالولاء لليمن، بل لجهات خارجية داعمة. حتى داخل التحالف الذي تقوده السعودية، اشتبكت القوات المدعومة إماراتيًا مرارًا وتكرارًا مع الوحدات الموالية للسعودية، محولةً الحلفاء المفترضين إلى أعداء. وأصبح اتفاق الرياض، الذي كان يهدف إلى التوفيق بين هذه الفصائل بمواجهة حكومة صنعاء، آلية أخرى لإدارة الانقسام بدلاً من حله، مما جمّد التشرذم في واقع سياسي شبه دائم، وصولاً الى التطورات الأخيرة وما حصل من استيلاء لقوات عيدروس على محافظتي حضرموت والمهرة وطرد مجلس القيادة الرئاسي من جنوبي اليمن، والإعلان عن نية تشكيل جمهورية يمنية جنوبية.
ومن خلال دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي كقوة انفصالية، ضمنت استمرار الحرب في اليمن دون حل. فالجنوب المنقسم يعني غياب موقف تفاوضي موحد، وغياب مؤسسات دولة متماسكة، وعدم وجود نهاية واضحة للصراع. هذا "الاستقرار المُدار" يُفيد إسرائيل التي تسعى إلى تعزيز نفوذها على ممرات مائية استراتيجية مثل باب المندب وخليج عدن، بينما يدفع المدنيون اليمنيون الثمن من خلال الفقر والنزوح وانهيار المؤسسات.
إن التداعيات الإقليمية لهذه الاستراتيجية لا تقل أهمية. فاليمن الممزق يندرج ضمن نمط أوسع لتفكك الدول العربية، من ليبيا إلى السودان والصومال، حيث تُضعف الانقسامات الداخلية الدول التي كانت تتمتع بثقل استراتيجي. وتنسجم هذه النتيجة مع الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي الراسخ الذي ينظر إلى تفكك الدول العربية الكبيرة ذات النفوذ المحتمل على أنه مكسب أمني صافٍ. فالمجتمعات الممزقة أقل قدرة على المقاومة الجماعية، وأقل قدرة على تحدي موازين القوى الإقليمية، وأكثر اندماجاً في نظام أمني تهيمن عليه إسرائيل والإمارات.
دور الإمارات المزعزع للاستقرار في السودان
لا يُمكن فهم انزلاق السودان إلى حرب كارثية من خلال الصراعات الداخلية أو إخفاقات المرحلة الانتقالية السياسية فحسب. فقد لعب التدخل الخارجي، ولا سيما من جانب الإمارات، دورًا حاسمًا في تمكين قوى تُقوّض الوحدة السودانية وتُرسّخ الصراع الدائم. فمن خلال دعمها لمحمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، وميليشيا الدعم السريع، ساهمت الإمارات في تحويل المرحلة الانتقالية الهشة في السودان إلى صراع وحشي يخدم أجندات إقليمية أوسع، بما في ذلك المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية في تفتيت الدول العربية القوية.
وقد انبثق حميدتي وقوات الدعم السريع من ميليشيات الجنجويد سيئة السمعة التي دمّرت دارفور. وبدلًا من دعم تفكيك هذه الهياكل شبه العسكرية بعد سقوط عمر البشير عام 2019، تعاملت الإمارات مع قوات الدعم السريع كأداة في يدها. ساهم الدعم المالي والشرعية السياسية والنفوذ الإقليمي في تحويل حميدتي من قائد ميليشيا إلى وسيط قوة مركزي. وقد أدى هذا الدعم الخارجي إلى اختلال التوازن الداخلي في السودان، مُفضِّلاً التسلح على السياسة المدنية، ومُقوِّضاً فرص قيام جيش وطني موحد يخضع لسلطة الدولة المدنية.
وتجلّت عواقب هذه السياسة بوضوح كارثي في نيسان / أبريل 2023، عندما اندلعت حرب مفتوحة بين الدعم السريع والجيش السوداني. وقد حصرت هذه السياسة السودان في حالة حرب دائمة. فالوضع الأمني المُجزَّأ يعني غياب نصر حاسم، وانعدام عملية سلام ذات مصداقية، واستحالة انتقال سلمي مستقر. بدلاً من ذلك، يصبح الصراع مُستداماً: تستفيد الميليشيات من الفوضى، ويكتسب الداعمون الخارجيون نفوذاً، ويُسحق المجتمع المدني بين قوى مسلحة متنافسة. تُعدّ الكارثة الإنسانية في السودان - النزوح الجماعي والمجاعة وانهيار الخدمات الأساسية - الثمن البشري لهذا النموذج من عدم الاستقرار المُدار.
وبعيداً عن السودان، فإنّ التداعيات الإقليمية عميقة. فالسودان الموحد ذو السيادة سيكون فاعلاً مهماً في أفريقيا والعالم العربي، يتمتع بأهمية استراتيجية على طول البحر الأحمر وحوض النيل. أما تفتيته فيُضعف التماسك الإقليمي ويُحوّل البلاد إلى ساحة للنفوذ الأجنبي واستخراج الموارد. وتنسجم هذه النتيجة مع الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي الراسخ الذي يُفضّل تفكيك أو إضعاف الدول العربية الكبرى، مما يُقلّل من قدرتها على العمل السياسي أو العسكري الجماعي ويُحوّل الاهتمام الإقليمي نحو الداخل.
ولا يُعد دعم حميدتي مجرد خيار اماراتي تكتيكي، بل هو جزء من نمط إقليمي أوسع: تمكين الجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية أو شبه الحكومية من إفراغ المؤسسات الوطنية ومنع ظهور دول مستقلة وموحدة.
إن سبيل السودان للخروج من الكارثة يكمن في قلب هذا المنطق رأساً على عقب، وذلك بإنهاء الدعم الخارجي للميليشيات، وإعادة إحياء دور الحياة المدنية، وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس شاملة. وطالما استمرت الإمارات في دعم حميدتي والدعم السريع، سيبقى السودان غارقاً في الحرب، وستستمر المنطقة في التمزق بما يخدم مصالح القوى الخارجية على حساب شعوبها.
دور الإمارات المزعزع للاستقرار في أرض الصومال
تلعب الإمارات دوراً بالغ الضرر من خلال دعمها السياسي والمالي والعسكري للسلطات الانفصالية في أرض الصومال، التي تتخذ من هرجيسا مقراً لها. فمن خلال تمكين الهياكل الانفصالية خارج إطار الدولة الاتحادية الصومالية في مقديشو، عرقلت الإمارات الوحدة الصومالية، وأدامت حالة الصراع المُدار، وعززت أجندات إقليمية أوسع تتقاطع مع الأهداف الإسرائيلية في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.
منذ إعلان أرض الصومال استقلالها من جانب واحد عام 1991 - والذي لم يُعترف به دولياً قط - أصرّت الحكومات الصومالية المتعاقبة على أن الوحدة الوطنية ضرورية للاستقرار طويل الأمد. بدلاً من دعم تسوية تفاوضية ضمن دولة صومالية موحدة، اختارت الإمارات تجاوز مقديشو والتعامل مع أرض الصومال كشريك شبه سيادي. ويتجلى هذا النهج بوضوح في استثمارات أبوظبي في الموانئ والمنشآت العسكرية والترتيبات الأمنية، لا سيما من خلال سيطرة موانئ دبي العالمية على ميناء بربرة وإنشاء بنية تحتية عسكرية مرتبطة بالإمارات في الجوار.
وقد كان لهذه التحركات أثر سياسي مدمر. فمن خلال التعامل المباشر مع سلطات أرض الصومال، أضعفت الإمارات سلطة الحكومة الفيدرالية الصومالية وشجعت النزعات الانفصالية في جميع أنحاء البلاد. وتلقى الولايات الأعضاء في الحكومة الفيدرالية والنخب المحلية رسالة واضحة مفادها أن التحالف مع جهات خارجية داعمة يمكن أن يمنح السلطة والموارد دون مساءلة أمام المركز الوطني. ويجعل هذا التآكل الديناميكي للدولة الصومالية المصالحة الحقيقية أكثر صعوبة.
كما يساهم نهج الإمارات في حالة عدم استقرار دائم، في ترسيخ وجود الجماعات المسلحة والقواعد الأجنبية والسلطات المتنافسة في توازن هشّ يُفيد القوى الخارجية الساعية إلى ترسيخ موطئ قدم استراتيجي، بينما يبقى الصوماليون العاديون عالقين في براثن الفقر وانعدام الأمن والشلل السياسي.
وتتجاوز التداعيات الجيوسياسية حدود الصومال بكثير. فـ "أرض الصومال" تمتلك موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية يُطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي. تُتيح السيطرة، أو التأثير غير المباشر، على الموانئ والبنية التحتية الأمنية في هذه المنطقة نفوذاً هائلاً على التجارة العالمية والأمن الإقليمي. وهنا، يتجلى بوضوح التقارب مع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية. فعلى مدى عقود، أكد الفكر الأمني الإسرائيلي على أهمية البحر الأحمر والقرن الأفريقي كساحتين لبسط النفوذ، ومراقبة الخصوم، وتأمين الطرق البحرية.
الكاتب: غرفة التحرير