لماذا يستميت العقل البريطاني في ملاحقة الجغرافيا اللبنانية؟ الإجابة تتجاوز حجم الموارد المحدودة عالمياً، لتستقر في موقع لبنان كعقدة جيوسياسية حاكمة فوق حوض شرق المتوسط. إن القيمة الحقيقية لا تكمن في كمية المخزون فحسب، إنما في الوظيفة الاستراتيجية لهذا الخزان كمنصة إمداد هي الأقرب جغرافياً إلى العمق الأوروبي. لندن تدرك أن التحكم في هذه المكامن يمنحها سلطة التلاعب بأمن الطاقة الإقليمي، وهي تدير هذا الملف بعقيدة المنع الممنهج ريثما تكتمل شروط النهب الكبرى عبر أدواتها التقنية والعسكرية.
الأرشيف التاريخي وخيوط اللعبة
يفضح الأرشيف التاريخي خيوط اللعبة؛ فمنذ عام 1947 قامت شركة نفط العراق (IPC) بحفر بئر جبل تربل وفق الوثائق المسجلة في الارشيف البريطاني، وهو ما أثبته علمياً البروفيسور زياد بيضون (رائد الجيولوجيا في الجامعة الأمريكية) الذي وثق وجود أنظمة هيدروكربونية مؤكدة في آبار يحمر والقاع. وفي العصر الحديث، برزت مجهودات الدكتور غسان قانصوه، الخبير في اقتصاد النفط، الذي قدم تشريحاً علمياً للداتا المنهوبة، متقاطعاً مع نضال شقيقه المهندس والوزير عاصم قانصوه؛ حيث كشفا بالخرائط والوثائق وجود سبعة آبار نفطية في البر اللبناني سدها البريطانيون بالإسمنت في الخمسينات بقرار استعماري لإخفاء الثروة. لقد أثبتا بالدليل القاطع أن البقاع الشمالي يسبح فوق خزان هائل يمثل الامتداد الطبيعي لـ البلوك السوري رقم 11.
الأبراج.. ترهيب الأصوات وما وراء وطاويط الليل
تتحول الأبراج البريطانية إلى مخافر استباقية تمنع أي تنسيق طاقوي بين لبنان وسوريا تحت ستار الرقابة الأمنية. وهنا يفرض السؤال السيادي نفسه: أين كانت هذه الترسانة التقنية من قوافل تهريب اللاجئين التي استباحت الحدود طيلة سنوات الأزمة وصولاً إلى اليوم؟ إن هذا "العمى الانتقائي" يفسر خلفيات الاعتداء المسلح والعبث بمحتويات مزرعة ومنزل آل قانصوه في السهل الشرقي لأطراف الهرمل؛ فإطلاق النار والتخريب الممنهج في بقعة تقع تحت المجهر الإلكتروني للأبراج يشي بمحاولة لترهيب الأصوات التي تملك مفاتيح المعلومات والخرائط التاريخية. فهل كان "وطاويط الليل" يبحثون عن مقتنيات عادية، ام كانت مهمتهم نهب الأرشيف التقني والوثائق التي تثبت مواقع الآبار المسدودة، بغرض محو الذاكرة الجيولوجية والسيادية للبنان. هنا يثبت عجز الأبراج عن رصد المعتدين ومهربي البشر، مقابل قدرتها الفائقة على مراقبة خطوط إمداد المقاومة، و بمعنى اخر لقد وجدت لحماية الأقفال الاستعمارية وتعرية ظهر المدافعين عن الأرض، وضمان بقاء الثروة الوطنية رهينة الابتزاز الأمني والاقتصادي.
التضليل في البحر: شركة سبكتروم والخط 29
انتقلت الجريمة في البحر من الميدان إلى المختبرات التقنية، حيث احتكرت شركة سبكتروم البريطانية داتا المسح الزلزالي، مفسحة المجال للندن لإخفاء الحقائق الجيولوجية عن الدولة اللبنانية وتلاعبت بالنتائج لتصوير الحقول اللبنانية كحقول غير مجدية أو مشتركة. وتولى المكتب الهيدروغرافي البريطاني (UKHO) في تقريره لعام 2011 تضليل المفاوض اللبناني عبر شطب حق لبنان في الخط 29. هذا التلاعب الخرائطي عدوان مدروس لعزل ثروة البحر عن ثروة البر التي وثقها آل قانصوه، وتأمين حقول الغاز لصالح العدو تحت غطاء الغموض الجغرافي المتعمد، مما جعل البريطاني "سمساراً" تقنياً للاحتلال.
الخلاصة في المواجهة واستعادة السيادة
تتكامل فصول الجريمة اليوم لتكشف عدواناً يستمد قوته من انبطاح منظومة سياسية تمارس دور السمسار في سوق التنازلات. فالأبراج في البر ومراقبة الداتا في البحر والطائرات المستبيحة للجو هي أغلال يشرعها قرار رسمي واهن يطالب بسحب السلاح لتشريع العدوان الإسرائيلي وتمهيد الطريق للتطبيع العلني. نحن اليوم أمام سلطة تبيع السيادة لتطمين الخارج، بينما يدفن مستقبل الوطن في كفن من الخرائط البريطانية المزورة.
ان استعادة القرار الوطني تبدأ بانتزاع المبادرة لفتح الآبار المسدودة بالإسمنت، وكسر الخرائط التي تسرق الحقوق البحرية والبرية. وهنا يفرض السؤال الجوهري في سلسلة المتاهة اللبنانية نفسه: هل يدرك العقل السياسي المنبطح أنه يتحرك داخل دهاليز هندستها لندن ليكون الخروج منها مستحيلاً دون تحطيم أقفال الأبراج واستعادة السيادة الحقيقة؟ المواجهة اليوم هي معركة تحرير الأرض والثروة من مخالب أرشيف مزور وإرادة سياسية باعت الوطن في المزاد الدولي.
هذه مجرد البداية؛ فهذه الحقائق حلقة واحدة في سلسلة المتاهة اللبنانية. على القارئ انتظار المقال القادم.
الكاتب: علي نقر