الشرق الأدنى مجدداً محط اهتمام وأطماع الغرب، كل الغرب. وكيف لا يكون كذلك، وهو الذي شغل المخيلة الغربية منذ انتشار كتاب ألف ليلة وليلة، ذاك النص الذي نسج صورة الشرق كساحة للسحر والثروة والغرابة، فصار هدفاً دائماً للإمبراطوريات على مدار التاريخ. وهو ذاته الجزء الأهم من طريق الحرير في العالم القديم، حيث أدركت القوى الكبرى باكراً أن من يسيطر على هذا الطريق، يبسط نفوذه على العالم. مفهوم لم تغيّره القرون، وإن كان طريق الحرير نفسه قد تحوّل إلى طريق هلاك لكل من حاول احتكاره.
ومع التطور التقني والاكتشافات الجيولوجية، انتقل مركز الثقل من القوافل إلى الموارد، فتحوّل طريق الحرير وقلبه، أي الشرق الأدنى أو الشرق الأوسط، إلى نقطة الاهتمام المركزية للقوى الدولية منذ مطلع القرن العشرين، مروراً بالحربين العالميتين الأولى والثانية. عندها تعزّزت مكانة هذا القلب الجغرافي، الذي أعادت الاستراتيجية الغربية الأنغلوساكسونية تعريفه تحت مسمّى "الشرق الأوسط الكبير".
هذا المفهوم، الذي صاغ حدوده بوضوح ثعلب السياسة الخارجية الأميركية هنري كيسنجر، يمتد من مونروفيا عاصمة ليبيريا على الساحل الغربي لأفريقيا، وصولاً إلى بيشكيك عاصمة قرغيزستان عند تخوم آسيا الوسطى، وعلى أسوار التنين الصيني. داخل هذا المستطيل الجيوسياسي تتمركز أكثر من 85% من ثروات العالم، ومن يسيطر عليه يفرض إيقاعه على النظام الدولي بكل مفاصله.
لكن السيطرة على هذا الامتداد الواسع لا يمكن أن تتم دون إخضاع قلبه. وإذا ما مُدَّ خط مستقيم من مونروفيا إلى بيشكيك، فإن بيروت تقع في نقطة المركز تماماً. من هنا، يصبح إخضاع لبنان شرطاً لتسهيل إخضاع الأطراف. فلبنان ليس دولة هامشية، بل عقدة تقاطع استراتيجية لأنابيب الطاقة، وعقدة وصل تاريخية بين الشرق والغرب. وفهم هذه الحقيقة يستوجب التوقف عند أهمية خطوط الأنابيب، التي باتت تشكّل شرايين الحياة السياسية والاقتصادية لدول المنطقة. وهذا ما يحاول هذا المقال تفكيكه وإبرازه.
من هذه النقطة بالذات، ينتقل الشرق من كونه أسطورة جغرافية سكنتها كتب الرحالة، إلى ساحة اشتباك صلبة تُدار فيها صراعات القرن الحادي والعشرين. لم تعد الجيوش وحدها ترسم خرائط النفوذ، بل باتت أنابيب الغاز والنفط هي الخرائط الحقيقية للهيمنة. خطوط تمتد تحت الأرض، لكنها تتحكم فوقها بالسياسة والاقتصاد، بل بالحرب والسلام.
وهنا، لا تعود الأنابيب مجرد مشاريع تقنية، بل تتحول إلى أدوات سلطة، تُصاغ أحياناً على أيدي دول، وأحياناً على أيدي رجال أعمال لعبوا أدوار الوسطاء بين الجغرافيا والإمبراطوريات. من بين هؤلاء يبرز اسم روجيه تمرز، رجل الأعمال اللبناني الذي شكّل في أوائل التسعينيات نموذجاً لما يمكن أن يصنعه الفرد حين يلتقي رأس المال بالرؤية الجيوسياسية. تمرز لم يكن منفذاً لمشاريع طاقة فحسب، بل أحد مهندسي الربط بين آسيا الوسطى والأسواق العالمية، عبر تركيا والبحر المتوسط، في لحظة كانت فيها خرائط ما بعد الاتحاد السوفياتي لا تزال قيد التشكل.
مشروع خط أنابيب باكو–جيهان (BTC) كان التعبير الأوضح عن هذا الدور. خط نقل نفط بحر قزوين إلى المتوسط، متجاوزاً روسيا وإيران، لم يكن مجرد إنجاز هندسي، بل خياراً سياسياً بامتياز. نجاح تمرز في تأمين دعم قادة أذربيجان وتركيا وتركمانستان لهذا المشروع كشف باكراً أن معركة الطاقة لا تُخاض فقط بين الدول، بل أيضاً عبر شبكات المصالح العابرة للحدود.
هذا الدور تعزز مع استحواذ شركاته على حصص في حقول نفط وغاز رئيسية في تركمانستان، ما وفّر إمدادات مباشرة لخطوط الأنابيب، وربط آسيا الوسطى عملياً بالفضاء الغربي. ولم يكن دعم مشاريع خطوط الغاز، مثل خط TAPI الواصل بين تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند، سوى امتداد لهذا التفكير: فتح مسارات تصدير جديدة، وكسر العزلة الجغرافية، وإعادة رسم التحالفات على أساس الطاقة.
الغاز الطبيعي، بوصفه وقود العصر الانتقالي، تحوّل إلى أداة سيادية بامتياز. أوروبا، التي بنت نموذجها الصناعي والبيئي على هذا المورد، وجدت نفسها لسنوات طويلة رهينة للغاز الروسي، عبر خطوط مثل "نورد ستريم". ومع كل أزمة أوكرانية، كان شبح الانقطاع يذكّر العواصم الأوروبية بأن الأمن الطاقوي لا يقل خطورة عن الأمن العسكري. من هنا وُلدت مشاريع بديلة، كـ"نابوكو"، لا بوصفها حلولاً تقنية، بل كرهانات استراتيجية على تغيير ميزان النفوذ.
في المقابل، لم تقف موسكو موقف المتفرج. ردّت بخطوط موازية، وبسياسات أكثر خشونة، وبالتموضع العسكري والسياسي في قلب ساحات النزاع، حيث يمكن تعطيل أي مسار بديل. وهنا تبرز سوريا بوصفها العقدة الأخطر. فالجغرافيا السورية ليست مجرد مساحة دولة، بل ممر إجباري لكل مشروع طاقة يريد العبور من الخليج أو إيران باتجاه المتوسط ثم أوروبا. لذلك، لم يكن التمسك الروسي–الإيراني بنظام الأسد مجرد تحالف سياسي، بل استثماراً استراتيجياً مباشراً في منع خصومهم من امتلاك خيار طاقوي مستقل.
مشروع الأنبوب القطري، الذي كان من المفترض أن يمر عبر السعودية والأردن وسوريا وصولاً إلى تركيا، شكّل تهديداً مباشراً لمكانة روسيا في السوق الأوروبية. في المقابل، فتح ما عُرف بـ"الأنبوب الإسلامي"، الممتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى الساحل السوري، الباب أمام سيناريو معاكس يمنح طهران وموسكو قدرة مشتركة على التحكم بجزء حيوي من الإمدادات. بين هذين الخيارين، تحوّلت الثورة السورية إلى حرب مفتوحة، اختلط فيها المحلي بالإقليمي والدولي، وصارت الأرض السورية ساحة اختبار قاسية لإرادات الطاقة العالمية.
لبنان، كما في محطات تاريخية سابقة، لم يكن خارج المعادلة. موقعه كعقدة تقاطع جعله هدفاً للتعطيل الممنهج. دولة مشلولة، قرارها السيادي مخطوف، وحدودها البحرية معلّقة، تعني عملياً تجميد أي دور محتمل لها في معادلة غاز شرق المتوسط. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل خياراً استراتيجياً يخدم من يريد إبقاء خطوط الطاقة خارج أي سيطرة وطنية مستقلة.
أما شرق المتوسط، فقد فتح فصلاً جديداً من الصراع الصامت. اكتشافات الغاز الهائلة أعادت رسم التحالفات، وولّدت أطر تعاون وإقصاء في آن واحد. منتدى غاز شرق المتوسط لم يكن مجرد تجمع اقتصادي، بل رسالة سياسية واضحة، قابلتها تركيا بحراك بحري حاد، لأنها تدرك أن إخراجها من معادلة الأنابيب يعني تراجعاً حقيقياً في وزنها الإقليمي. وهكذا تحوّلت مياه المتوسط إلى ساحة تنافس لا تقل خطورة عن البر.
وفي المشهد الأوسع، يتضح أن العالم يدخل مرحلة تُقاس فيها القوة بمدى التحكم بالطاقة وممراتها. الولايات المتحدة تسعى لربط أمن الطاقة الأوروبي بقرارها السياسي، وروسيا تحاول الحفاظ على أوراق ضغطها، فيما تشق الصين طريقها بهدوء عبر آسيا الوسطى ضمن مشروع "الحزام والطريق"، باعتباره النسخة المعاصرة لطريق الحرير، لا بالقوافل هذه المرة، بل بالبنى التحتية والموانئ والأنابيب.
الخلاصة أن ما تغيّر ليس جوهر الصراع، بل أدواته. من طريق الحرير إلى أنابيب الغاز، بقي الشرق قلب العالم النابض، وبقيت قاعدته ثابتة: من يسيطر على الممرات، يفرض الشروط. وبين أنابيب تمنح الحياة وأخرى تصنع الموت، سيبقى الشرق ساحة اختبار دائمة لإرادات الإمبراطوريات، ما لم تستعد دوله قرارها، وتحوّل جغرافيتها من لعنة تاريخية إلى مصدر قوة سيادية.
الكاتب: خليل القاضي