الإثنين 29 كانون الاول , 2025 04:21

الإبادة الممنهجة في الساحل السوري: العلويون تحت وطأة القمع

مشاهد من التظاهرات السلمية في الساحل السوري

تشهد مناطق الساحل السوري، التي يقطنها غالبية من العلويين، موجة عنف وتصعيد خطيرة تمثل تهديدًا وجوديًا لهذا المكون الطائفي. ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع محلي، بل عملية ممنهجة تستهدف المدنيين العلويين على مرأى ومسمع العالم. الهجمات المستمرة، التفجيرات، والاغتيالات الممنهجة تشير إلى استراتيجية واضحة للقمع، تهدف إلى تهميش وإضعاف المجتمع العلوي وإجباره على الخضوع أو الهجرة. في ظل حكم أحمد الشرع، يتزايد الشعور بالعزلة والخطر بين العلويين، بينما يفتقر المجتمع الدولي إلى أي رد فعّال يحمي المدنيين من الانتهاكات المستمرة.

تصاعد العنف واستهداف المدنيين

في الأسابيع الأخيرة، شهد ريف حمص الغربي سلسلة هجمات متفرقة طالت القرى العلوية، منها قنبلة أُلقيت على قرية عين الخضرة. هذه الهجمات لا تستهدف الأفراد العشوائيين فقط، بل تستهدف المؤسسات الدينية والمناطق المدنية، مثل تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب، ما أسفر عن سقوط ضحايا وإثارة الخوف في صفوف السكان. كما أن رجال الأمن يحاولون مراراً فض التظاهرات بالقوة، ما يزيد من التوتر الاجتماعي ويعكس حجم الخطر الذي يعيشه السكان يوميًا.

هذه الأعمال العنيفة، بالإضافة إلى عمليات الاعتقال والاختطاف، تشير بوضوح إلى خطة ممنهجة لإرهاب السكان وإضعافهم نفسيًا وجسديًا، ما يجعلهم عرضة للاضطهاد المستمر دون حماية أو ردع.

خطاب العلويين ومطالبهم السلمية

في مواجهة هذه الانتهاكات، أطلق الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، دعوات للاعتراض السلمي والمطالبة بالحقوق الأساسية. حيث دعا الأهالي إلى التظاهر فيما وصفه بـ "طوفان بشري سلمي" يملأ الساحات، مطالبًا بالحق في الفيدرالية السياسية وتقرير المصير.

تركز هذه الدعوات على رفض الحرب الأهلية والعنف المتبادل، مع التأكيد على أن الهدف هو حماية المدنيين والحفاظ على الكرامة، وليس الانتقام أو تصعيد النزاع. ويعكس خطاب الشيخ غزال إدراك العلويين لخطورة الوضع وضرورة الحفاظ على وحدة المجتمع في مواجهة الإبادة الممنهجة، مؤكدًا على أهمية الصمود وعدم الخضوع للضغط السياسي أو الاجتماعي.

أبعاد الإبادة الممنهجة

ما يجري في الساحل السوري يمكن اعتباره مثالًا على "القتل على الهوية"، حيث تُستهدف مجموعة طائفية محددة بهدف كسر إرادتها وإجبارها على الخضوع. عمليات الاعتقال التعسفي، والاختطاف، واستهداف دور العبادة، كلها وسائل لإضعاف المجتمع العلوي وزرع الخوف في نفوس المدنيين.

يصف الشيخ غزال هذه الممارسات بأنها "مثال للنازية"، من حيث أنها تسعى لتدمير المجتمع بشكل ممنهج وفرض السيطرة بالقوة، مع محاولة تحويل المظلومية إلى جريمة، وتلويث مفهوم الضحية في العالم. هذا الأسلوب يخلق بيئة من الخوف والاغتراب، ويجعل أي مقاومة شرعية مواجهة للاضطهاد، وليس مجرد احتجاج عابر.

التداعيات الإقليمية والدولية

العنف الممارس ضد العلويين لا يقتصر أثره على الداخل السوري، بل يمتد إلى المنطقة بأسرها. النزوح الجماعي، تزايد التوترات مع المكونات الأخرى في سوريا، ودور الفاعلين الإقليميين مثل الولايات المتحدة، يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا.

في الوقت نفسه، يفتقر المجتمع الدولي إلى أي ردع فعال. الصمت المستمر يشجع الجهات المسؤولة على تكثيف عمليات القمع، ما يزيد من معدلات القتل والتهجير، ويعقد فرص الحلول السياسية المستقبلية. دون حماية دولية واضحة أو تدخل جاد، يظل المجتمع العلوي عرضة للانتهاكات المستمرة، وسط بيئة محلية وإقليمية مضطربة.

الأزمة العلوية في الساحل السوري تفرض على المجتمع الدولي والمجتمع الإقليمي مسؤولية أخلاقية وسياسية لحماية المدنيين. الحلول السلمية والسياسية، بما في ذلك الحق في تقرير المصير، وإيجاد سبل السبيل لتجنب المزيد من إراقة الدماء والدمار.

ما يجري اليوم في الساحل السوري ليس خيارًا بل ضرورة للحفاظ على الوجود والكرامة، والرسالة التي توجهها هذه المظاهرات السلمية واضحة بأنه يحق لأي طائفة سواء كانوا أقلية أو طائفة كبيرة أن تتمتع بكامل حقوقها ولا يمارس عليها الظلم والإقصاء. لذلك يجب أن يكون هناك تحركات فعالة تضع حداً للواقع المأزوم قبل أن تتحول هذه الحرب الممنهجة إلى كارثة إنسانية أكبر لا يمكن إيقافها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور