ليس لقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حدثًا بروتوكوليًا هامشيًا في روزنامة العلاقات "الأمريكية–الإسرائيلية"، بل هو لحظة كاشفة لطبيعة النظام الذي يدير الصراع في المنطقة، ولمعادلة القوة التي تحكم ما يُسمّى زورًا "عملية السلام". ففي هذا اللقاء، لا يُبحث عن إنهاء الحرب بقدر ما يُعاد تنظيمها، ولا يُناقش مستقبل غزة باعتبارها فضاءً بشريًا منكوبًا، بل بوصفها ملفًا أمنيًا–سياسيًا ضمن هندسة أوسع لإعادة إنتاج الهيمنة "الأمريكية–الإسرائيلية" في غربي آسيا.
من هذا المنظور، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل سيتم تثبيت اتفاق غزة؟ بل: "كيف سيُستخدم هذا الاتفاق لإدارة الصراع، وضبط المقاومة، وإعادة توزيع العنف على جبهات أخرى، من لبنان إلى إيران"؟
"المرحلة الثانية": إدارة الصراع لا إنهاؤه
تُقدَّم "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في الخطاب الأمريكي، على أنها مدخل لإنهاء الحرب، والانتقال إلى مسار سياسي يشمل الانسحاب، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحكم. غير أن القراءة النقدية تكشف أن هذه المرحلة ليست سوى آلية جديدة لإعادة إنتاج السيطرة، عبر نقل الصراع من المجال العسكري المفتوح إلى المجال السياسي المُقيَّد بشروط القوة.
الإدارة الأمريكية، كما في تجارب تاريخية سابقة من فيتنام إلى أمريكا اللاتينية، لا تسعى إلى تفكيك بنية العنف، بل إلى عقلنته. أي تحويله من حرب مكلفة وفوضوية إلى نظام ضبط طويل الأمد، تُدار فيه المقاومة عبر الحصار السياسي، والتجفيف الاقتصادي، ونزع الشرعية، بدل المواجهة العسكرية المباشرة التي أثبتت فشلها.
هنا تحديدًا تبرز مفارقة الخطاب الأمريكي: واشنطن تدرك، وفق اعترافات ضمنية، أن "نزع فكرة المقاومة" بالقوة أمر مستحيل. لكنها في الوقت نفسه تصرّ على إبقاء سلاح المقاومة كعقدة مركزية، ليس لحلها، بل لاستخدامها كورقة ابتزاز دائمة، تُعطّل بها أي انتقال حقيقي نحو مرحلة ما بعد الحرب.
نتنياهو: المراوغة كاستراتيجية حكم
في المقابل، لا يتعامل نتنياهو مع "المرحلة الثانية" بوصفها التزامًا سياسيًا، بل كتهديد وجودي لمشروعه الداخلي. فالرجل الذي فشل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، يحتاج إلى عدو دائم، وإلى حالة استنفار مستمرة، تبرّر بقاءه في السلطة وتؤجّل استحقاق المساءلة.
من هنا، تأتي سياسة التسويف والمراوغة: اختلاق شروط جديدة، تجاوز نصوص الاتفاق، الإصرار على البقاء العسكري داخل القطاع، تعطيل نشر أي قوات دولية ذات معنى، وتحويل مسألة "نزع سلاح المقاومة" إلى شرط مسبق لأي تقدم. هذه ليست خلافات تقنية، بل استراتيجية متكاملة تهدف إلى تفريغ الاتفاق من مضمونه، وتحويله إلى غطاء لإدامة السيطرة.
الأهم أن هذه السياسة لا تُواجَه بضغط أمريكي حاسم. فالولايات المتحدة، رغم تبايناتها التكتيكية مع نتنياهو، لا تمارس ضغطًا بنيويًا يمس جوهر "التفوق الإسرائيلي". إنها، كما في حالات تاريخية متعددة، تدير التناقض لا تحسمه، وتسمح لـ"إسرائيل" بهوامش مناورة واسعة، طالما بقيت ضمن الإطار العام للهيمنة الأمريكية.
غزة كنقطة ارتكاز إقليمي
لكن خطورة اللقاء لا تكمن في غزة وحدها. فغزة هنا تُستخدم كنقطة ارتكاز لإعادة رسم خريطة التصعيد الإقليمي. تثبيت "نار هادئة" في القطاع لا يعني بالضرورة الذهاب إلى الاستقرار، بل قد يكون تمهيدًا لتحويل العنف إلى جبهات أخرى أقل كلفة سياسيًا على واشنطن وتل أبيب.
في هذا السياق، تُطرح الجبهة اللبنانية بوصفها المرشّح الأبرز للتصعيد. فخطاب "نزع السلاح" الذي يُستخدم في غزة، يُعاد إنتاجه حرفيًا في لبنان، مع فارق أن الهدف هنا هو اختبار معادلات الردع، ومحاولة فرض وقائع جديدة تحت عنوان "الأمن الإسرائيلي". أي عمل عسكري محدود، حتى لو كان محسوبًا، يحمل في داخله بذور الانفجار الواسع، لأن منطق الردع المتبادل لا يعمل بمنطق الرسائل المنضبطة، بل بمنطق التراكم والانزلاق.
أما إيران، فهي الحاضر الغائب في كل هذه الحسابات. تأجيل المواجهة لا يعني إلغاءها، بل إدارتها زمنياً بما يخدم الحسابات الانتخابية والسياسية. فمشروع "السلام بالقوة" الذي يتبناه ترامب، والقائم على دمج الأمن بالاقتصاد وتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، يصطدم بنيويًا بوجود إيران كقوة إقليمية رافضة لمنطق الإخضاع. ومن هنا، يصبح الاستقرار على الجبهة الإيرانية نقيضًا مباشرًا لهذا المشروع.
سلاح المقاومة: العقدة الوظيفية
في قلب كل هذه المسارات، يقف سلاح المقاومة كـ"عقدة وظيفية". ليس لأنه العقبة الحقيقية أمام السلام، بل لأنه الذريعة التي تسمح بإدامة الصراع. فحتى داخل الدوائر الأمريكية، بات واضحًا أن أي مشروع يبدأ بنزع سلاح المقاومة محكوم بالفشل. ومع ذلك، يُصرّ الاحتلال على تقديم هذا المطلب، لأنه يضمن تعطيل أي مسار سياسي جدي، ويُبقي الفلسطينيين في موقع المتهم لا الضحية.
البدائل المطروحة، من "تجميد السلاح" إلى الهدن الطويلة، ليست حلولًا بقدر ما هي محاولات لتأجيل الانفجار. وهي تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المسألة ليست تقنية أو أمنية، بل سياسية بامتياز: مسألة حقوق، واحتلال، وبنية عنف استعمارية لا يمكن تجاوزها بإجراءات شكلية.
سيناريوهات ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو
تشير مخرجات لقاء ترامب ونتنياهو إلى أن المنطقة لا تقف أمام خيار سلام أو حرب، بل أمام أنماط مختلفة من إدارة الصراع. السيناريو الأول يتمثل في تثبيت غزة على "نار هادئة"، عبر الانتقال الشكلي إلى المرحلة الثانية من الاتفاق دون تفكيك بنية الحصار أو إنهاء السيطرة "الإسرائيلية" الفعلية. في هذا المسار، تُستخدم إعادة الإعمار وترتيبات الحكم كأدوات ضبط سياسي، بينما يُحوَّل سلاح المقاومة إلى ملف تفاوضي دائم يبرّر استمرار الضغوط، لا حلّها.
السيناريو الثاني يقوم على مقايضة غير معلنة بين غزة والضفة الغربية، حيث تُدار غزة كملف أمني–إنساني تحت رقابة دولية، مقابل إطلاق يد الاحتلال في الضفة عبر الاستيطان والعنف المنظّم. هذا النموذج يعكس منطقًا استعماريًا كلاسيكيًا: تفكيك القضية الواحدة إلى مسارات منفصلة، بما يمنع تشكّل أي مشروع وطني جامع، لكنه يحمل في داخله بذور انفجار حتمي في الضفة وغزة معًا.
أما السيناريو الثالث، فيتجه نحو تصعيد مُدار على الجبهة اللبنانية، يمنح فيه نتنياهو هامشًا عسكريًا محدودًا لاختبار معادلات الردع. غير أن التاريخ يُظهر أن مثل هذه الضربات "المحسوبة" نادرًا ما تبقى ضمن حدودها، خاصة في ظل ترابط الجبهات.
وفي السياق الإيراني، يُرجَّح تأجيل المواجهة لا إلغاؤها، عبر تكثيف الضغوط والحرب غير المباشرة، بانتظار توقيت سياسي أنسب. أما السيناريو الأخطر، فهو فشل مركّب تتقاطع فيه هذه المسارات جميعًا، ما يحوّل إدارة الأزمة إلى عامل تسريع لانفجار إقليمي واسع، في ظل نظام يرفض معالجة جذور الصراع: الاحتلال ونفي الحقوق.
في المحصلة، يكشف لقاء ترامب ونتنياهو عن أزمة أعمق من مجرد خلاف على "مرحلة ثانية". إنه تعبير عن مأزق نظام دولي عاجز عن إنتاج حل عادل، فيلجأ إلى إدارة الانهيار بدل منعه. غزة تُثبَّت على نار هادئة، لا رحمةً بأهلها، بل خوفًا من كلفة الحرب. والجبهات الأخرى تُترك مفتوحة، كمساحات لتصريف العنف المؤجّل.
في هذا المشهد، لا يبدو أن المنطقة مقبلة على سلام، بل على إعادة توزيع للصراع. سلام يُدار بالقوة، واستقرار يُبنى على حافة الانفجار. أما السؤال الحقيقي، فهو: إلى متى يمكن لنظام قائم على الهيمنة ونفي الحقوق أن يواصل إدارة الأزمات دون أن يواجه انهياره البنيوي؟
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]