الثلاثاء 30 كانون الاول , 2025 02:20

استراتيجية إسرائيلية متعددة المسارات في سوريا

جنديان إسرائيليان في منطقة الجنوب السوري

يستعرض هذا المقال الذي نشره موقع "eurasiareview" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، ما يعتبره استراتيجية إسرائيلية ثلاثية المسارات في سوريا: تجمع إسرائيل بين حضورٍ ميداني في الجنوب الغربي، ودعمٍ لفاعلين دروز، واستخدام النفوذ الدبلوماسي لتأمين الحدود دون احتلالٍ كامل.

واستعرض المقال الديناميات الإقليمية المؤثرة في سوريا، معتقداً بأن هناك ضغوط متعددة الاتجاهات من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وروسيا وإيران تُحدث كماشةً على دمشق، بما يرفع مخاطر الجمود أو التصعيد أو عدم الاستقرار البنيوي.

النص المترجم:

تحصين الجنوب: البصمة الإقليمية لإسرائيل

يمكن فهم الدور الإسرائيلي الراهن في سوريا بوصفه استراتيجية ثلاثية المسارات: صناعة وقائع ميدانية في الجنوب الغربي، والتأثير في التوازن الداخلي السوري عبر علاقاتٍ انتقائية مع فاعلين مسلحين من الأقليات (ولا سيما الشبكات الدرزية)، واستكشاف ترتيباتٍ أمنية دبلوماسية تُثبّت الخطوط الحمراء الإسرائيلية دون تحمّل كلفة احتلالٍ طويل الأمد.

التحول الأبرز في النصف الثاني من كانون الأول / ديسمبر، هو تزامن هذه المسارات: إذ ترافقت الأنشطة البرية في القنيطرة وفي محيط منطقة الفصل الخاضعة لرقابة الأمم المتحدة مع تجدد الاهتمام بالدعم السري للدروز، ومع نقاشٍ إسرائيلي علني أكثر صراحة حول "اتفاق" مشروط بحزامٍ منزوع السلاح عميق يمتد إلى ما وراء خطوط 1974.

في الجنوب الغربي، يبدو أن منطق المنطقة العازلة يتطور من توغلاتٍ ظرفية إلى نظام حدودي ناشئ. فقد وُصفت الأنشطة الأخيرة بما يتسق مع دخولٍ متكرر، وضبط طرق، وإقامة نقاط تفتيش، وتطبيع حضورٍ أمني إسرائيلي داخل سوريا—وهي أنماط تُشبه إدارةً إقليمية أكثر مما تُشبه غارات ردعية خاطفة.

الدلالة هنا بنيوية: فحيث شكّل اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 ومنطقة الفصل التابعة لقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) جوهرَ بنية الاستقرار، باتت دوريات إسرائيلية ونفوذ محلي وروتينيات ميدانية تؤدي عملياً دور إطارٍ بديل بحكم الأمر الواقع. وتبقى المبررات المعلنة مألوفة—منع اقتراب فاعلين معادين من الجولان، وقطع مسارات السلاح، ومنع إعادة ترسّخ قوى متحالفة مع إيران—لكن الأثر الاستراتيجي داخل سوريا هو تضييق هامش قدرة دمشق على إظهار السيطرة السيادية في لحظة تحتاج فيها الحكومة الجديدة إلى إرسال إشارات توحيد وطني.

وهنا تنشأ مفارقة: فالسعي المُعلن إلى الاستقرار عبر إجراءاتٍ أمنية أحادية قد يولّد استياءً محلياً، ويقوّض شرعية دمشق بسبب ما يُنظر إليه على أنه عجز، ويدفع فاعلين سوريين إلى البحث عن رعاة خارجيين—بما يُعمّق التفكك.

الملف الدرزي: نفوذ داخلي وتشكيل للدولة

أصبح الملف الدرزي أداة التشكيل الداخلي الأكثر وزناً، يعمل بوصفه سردية حماية وآلية نفوذ في آنٍ معاً. فالدعم السري لفاعلين دروز—تجهيزاً ومساعدات وتمويلاً وتشجيعاً على وضعٍ ذاتي—يؤدي وظيفةً أقل ارتباطاً بحماية الأقليات وأكثر اتصالاً برفع كلفة توحيد دمشق عبر إضافة تحدٍّ سيادي جنوبي، في وقتٍ تدير فيه الحكومة نزاعات اندماج أخرى في أنحاء البلاد.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن هذا الدعم محدود وقابل للضبط. فالانقسامات الدرزية الداخلية، ومخاطر الارتداد، والكلفة الطويلة الأمد لنموذج الوكالة الكاملة، تحفّز نهجاً يُبقي دمشق في حالة عدم توازن دون امتلاك المشروع السياسي بالكامل.

إقليمياً، كثيراً ما تكون الادعاءات حول دعمٍ إسرائيلي مُحمّلة سياسياً ومتفاوتة الموثوقية. لكن عند قراءتها على ضوء نمط الضغط الجنوبي المتكرر، وتأطير حماية الدروز كمسوغٍ شرعي، فإنها تنسجم مع مقاربةٍ متماسكة: استخدام حماية الأقليات لتبرير حرية الحركة ميدانياً مع تكديس أوراق تفاوض لأي محادثات أمنية.

دبلوماسية قصوى: نزع سلاح عميق وخطوط حمراء

على الصعيد الدبلوماسي، انتقل مسار "الاتفاق" من إدارة اتصالاتٍ هادئة إلى مطالب أمنية أكثر صراحة وطموحاً. فالقنوات غير المباشرة لتهدئة الحدود نوقشت لأشهر، ويُقال إن صيغ تواصلٍ مباشر نادرة قد جرى استكشافها، مع وضع خفض التصعيد واستعادة آليات وقف النار على الطاولة.

التطور الحاسم هو ترقية الشروط القصوى الإسرائيلية: حزام منزوع السلاح عميق تُحدده الجغرافيا الإسرائيلية لا شريطاً حدودياً ضيقاً. وهذا كاشف استراتيجياً. فترتيب تفادي صدامٍ محدود—قائم على ضبط متبادل، واستعادة آليات 1974، وتعزيز دور UNDOF—كان سيعمل كأداة استقرار.

أما الحزام العميق منزوع السلاح فيُقنّن الوضع العسكري السوري من الخارج في لحظة ضعفٍ واعتماد على شرعية خارجية وإغاثة اقتصادية. قد يُخفّض هذا المخاطر الحدودية على المدى القريب، لكنه يفرض أثماناً سيادية ورمزية باهظة على دمشق، ما يجعله سياسياً قابلاً للاشتعال لأي قيادة انتقالية.

رقعة الشطرنج الإقليمية: الولايات المتحدة، تركيا، روسيا، وإيران

تتفاعل هذه التحركات بإحكام مع الرقعة الإقليمية الأوسع. فالولايات المتحدة محورية لأنها تسعى إلى الاستقرار واستمرارية مكافحة "داعش"، وفي الوقت نفسه تستكشف إمكان إدماج القيادة السورية الجديدة في اصطفافٍ إقليمي أقل عدائية—ربما حتى كشريك. وهذا يتيح وساطاتٍ واتصالات، لكنه ينطوي على حوافز غير متطابقة: إذ قد تقرأ إسرائيل أولوية الهدوء الأميركية كتسامحٍ مع وقائع مفروضة، بينما قد تقرأ دمشق الانخراط الأميركي كقيدٍ محتمل على التوغلات الإسرائيلية.

تضيف تركيا ضغطاً بنيوياً ثانياً. فتركيز أنقرة على بنية قوات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب وأمن الحدود الشمالية، والاتهامات التي تربط "قسد" بإسرائيل—بغضّ النظر عن قوة الأدلة—تدمج سياسياً الاستراتيجية الإسرائيلية الجنوبية بالأجندة التركية الشمالية، وتضغط على دمشق لأمننة الحكم الذاتي الكردي بوصفه تدخلاً خارجياً.

النتيجة هي دينامية كماشة: إسرائيل جنوباً وتركيا شمالاً قد تدفعان دمشق إلى صفقاتٍ مفروضة خارجياً بدلاً من تسوية وطنية متماسكة. وتبقى روسيا وإيران مديري قيودٍ في الخلفية ومُعطِّلين محتملين. تحتفظ روسيا بفائدةٍ دبلوماسية ويمكنها تسويق نفسها كوسيطٍ لإدارة التصعيد، بينما لدى إيران حوافز قوية لمنع تسويةٍ مستقرة بين سوريا وإسرائيل، لكنها تواجه قيوداً تدفعها إلى تعطيلٍ غير مباشر بدل تشكيلٍ حاسم.

المسارات الاستراتيجية ومخاطرها

خلال الأشهر الواحد إلى الثلاثة المقبلة، تبدو إسرائيل وكأنها تحاول تحويل هشاشة المرحلة الانتقالية السورية إلى هندسة أمنية إسرائيلية دائمة عبر مزيجٍ من عمقٍ إقليمي وشركاء محليين ودبلوماسية. قد ينتج عن ذلك فترات هدوء، لكنه يحمل مخاطر عدم استقرار متوسطة الأجل إذا عجزت دمشق عن تسويق أي ترتيب داخلياً، أو إذا اعتبرت المجتمعات الجنوبية الحضور الإسرائيلي كاحتلال.

تتبلور 3 مخرجات محتملة قريبة الأمد:

1)تفاهم أمني مُدار (الأرجح): ليس معاهدة سلام، بل تفاهم متعدد الطبقات: استعادة جزئية لآليات وقف النار وقنوات تفادي الصدام، مقرونة بضبطٍ سوري غير معلن للأسلحة الثقيلة في الجنوب، واستمرار حرية الحركة التكتيكية الإسرائيلية، وربما برعاية أميركية.

2)جمود مطوّل وتطبيع الوقائع الميدانية: تُطبّع إسرائيل بصمت بصمتها الميدانية وتواصل دعماً درزياً انتقائياً كرافعة، فيما ترفض دمشق نزع السلاح العميق لكنها تفتقر للقدرة على عكس الوقائع—استقرار ظاهري، لكنه مُقوِّض للسرديات السيادية، ومُغذٍّ لمقاوماتٍ محلية واقتصادات تهريب واستقطابٍ مجتمعي.

3)تصعيد بسبب سوء تقدير (احتمال منخفض، أثر عالٍ): حادثٌ محلي يُطلق ردوداً متبادلة أو يستدرج فاعلين خارجيين ويُسقط المسار الدبلوماسي. إن تراكب منطق المناطق العازلة—إسرائيلي جنوباً، تركي شمالاً، وحضور أميركي شرقاً—يرفع خطر تفسير خطوةٍ "دفاعية" من طرف بوصفها تطويقاً استراتيجياً لطرفٍ آخر.

بالنظر إلى سنة 2026، تتمثل نقاط المراقبة في: ما إذا كان النشاط الإسرائيلي في القنيطرة سينتقل من غاراتٍ متقطعة إلى إدارةٍ دائمة عبر شبكات نقاط تفتيش موسعة ودوريات روتينية؛ وما إذا كان دعم الدروز سيصبح أكثر مأسسة وعلنية بما يشير إلى انتقال نحو نفوذٍ بالوكالة طويل الأمد بدلاً من صفقةٍ سريعة ومحدودة.

وتتعلق مجموعة ثانية من نقاط المراقبة بما إذا كان المسار الدبلوماسي سينتج صيغةً ضيقة تحفظ ماء الوجه، مرتكزةً إلى تعزيز UNDOF وضبطٍ متبادل، أم سينزلق إلى مطالب نزع سلاح قصوى من غير المرجح أن تقبلها دمشق دون كلفةٍ سياسية داخلية كبيرة؛ وكذلك ما إذا كان ملف إسرائيل–سوريا سيتشابك أكثر مع مسألة "قسد" بفعل الضغط التركي والاتهامات العلنية—وهو تطور سيرفع حرارة معارك الاندماج الداخلي السوري ويزيد احتمالات عدم الاستقرار المتسلسل.

تحويل الهشاشة إلى عمقٍ استراتيجي

يعكس الانخراط الإسرائيلي في سوريا استراتيجية متعددة المسارات تهدف إلى تأمين حدودها الجنوبية، والتأثير في الديناميات الداخلية السورية، وتثبيت الخطوط الحمراء دبلوماسياً، من دون تحمّل كلفة احتلالٍ رسمي. ففي الجنوب الغربي، يتطور النشاط الإسرائيلي في القنيطرة من عملٍ عسكري متقطع إلى حضورٍ أمني أكثر انتظاماً ومأسسة، ما يُنتج بنية منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع تُقيّد سيادة دمشق، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مرونة الحركة العملياتية الإسرائيلية.

ويُكمّل ذلك دعمٌ سري لفاعلين دروز مسلحين يعمل كآلية ضغط داخلية مُعايرة: إذ يُعقّد مسار توحيد الدولة السورية، ويحفظ أوراق النفوذ الإسرائيلية، ويبقى قابلاً للتعديل وفق تغيّر الظروف السياسية والأمنية. وعلى الصعيد الدبلوماسي، تدفع إسرائيل نحو مطالب أمنية طموحةفي مقدمتها حزامٌ منزوع السلاح عميق يتجاوز خطوط عام 1974—من شأنه إسقاط قيودٍ خارجية على الوضع العسكري السوري، واختبار الشرعية الداخلية لأي قيادة انتقالية قد توافق عليه.

تتقاطع هذه التحركات مع ضغوطٍ إقليمية أوسع. فالانخراط الأميركي يُعطي الأولوية للاستقرار وأهداف مكافحة "داعش"، بينما تمارس تركيا ضغطاً متزامناً من الشمال عبر ملف "قسد/وحدات حماية الشعب"، في حين تؤدي روسيا وإيران دور مديري القيود والمُعطِّلين غير المباشرين. وتؤدي الضغوط متعددة الاتجاهات على دمشق إلى رفع مخاطر تآكل الشرعية، وبروز مقاومات محلية، وحدوث سوء تقدير ضمن أطرٍ أمنية متداخلة.

على المدى القريب، يُرجَّح أن تهيمن تفاهمات أمنية متعددة الطبقات: استعادة جزئية لوقف إطلاق النار، وتوظيف محدود لأوراق الأقليات، واستمرار حرية الحركة العملياتية الإسرائيلية. ورغم أن هذا النهج قد يوفّر فترات هدوء، فإنه يُرسّخ عدم استقرارٍ بنيوياً عبر تضييق هامش التعافي السيادي السوري، وزيادة احتمال أن يحلّ التحكم التكتيكي محل تسوية سياسية مستدامة.


المصدر: eurasiareview

الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور