الثلاثاء 30 كانون الاول , 2025 03:48

الإمارات قوة تخريب ناعم لاستقرار الدول

الإمارات خدمة الاحتلال على حساب الدول

لطالما قدمت الإمارات نفسها في الخطاب الرسمي والإعلامي كدولة داعمة للاستقرار والتنمية، وكنموذج عربي "عقلاني" في محيط مضطرب. غير أن تتبع مسار تدخلاتها الإقليمية يكشف نمطًا مختلفًا تمامًا حيث يظهر حضورها بشكل ثابت في مناطق الانقسام والنزاع، لتقوم بدورها المعهود في دعم لمجموعة أطراف دون الدولة، وتغذية صراعات لا تنتهي بحل بل بإعادة إنتاج فراغ سياسي وأمني. هنا، يظهر بشكل جلي أن الاستقرار ليس هدفًا أبدا، والوظيفة الحقيقية هي دعم كل المشاريع التي تخلق الفوضى وتهندس التفكك بما يحقق المصلحة لمجموعة اللاعبين بما فيهم كيان الاحتلال التوسعي.

التخريب الناعم

لا تعتمد الإمارات نموذج الاحتلال المباشر أو التدخل العسكري الكلاسيكي، بل تمارس ما يمكن تسميته "التخريب الناعم" عبر التمويل، التسليح غير المباشر، رعاية كيانات موازية، التدخل الاقتصادي الانتقائي، كله من تحت الطاولة إلى جانب إعلام يعيد تعريف ما ينتج عنها من خراب وفق سرديتها. هذا التدخل يضعف الدول المستهدفة بطبيعة الحال، ويفتح المجال أمام نشوء كيانات وظيفية قابلة للإدارة يجري التحكم بها بحسب نقاط ضعفها.

اليمن

في اليمن، تحوّل الدور الإماراتي من المشاركة في التحالف الذي يرفع شعار "إعادة الشرعية" -بغض النظر عن مفهوم الشرعية- إلى دعم واضح لمشاريع انفصالية في الجنوب. حيث رعت أبو ظبي قوى عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة، وأسست لسلطات "أمر واقع" عملها إثارة المشاكل والنعرات. لم يكن الهدف بالطبع إنهاء الحرب أو توحيد البلاد كما تزعم الإمارات أنها فاعلة، بل إنتاج جنوب ضعيف، ممزق سياسيًا، يمكن التحكم بموانئه وسواحله وتحقيق المآرب والأطماع فيه دون كلفة.

أرض الصومال: شرعنة كيان هش وخدمة التوسع الإسرائيلي

في نموذج أكثر خطورة، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في دعم "أرض الصومال" ككيان منفصل عن الدولة الصومالية، مستخدمة بوابة الاستثمار والموانئ لفرض أمر واقع سياسي. الأخطر أن هذا التوجه ترافق مع تأييد إماراتي لاعتراف إسرائيلي بأرض الصومال، في خطوة لاقت امتعاضًا واسعًا، واعتُبرت خدمة مباشرة لسياسات الاحتلال التوسعية في القرن الأفريقي. هنا، لم تتردد الإمارات في تجاوز الإجماع العربي، مفضلة مصالحها الشخصية حتى لو كان الثمن تكريس تفكك دولة عربية وإفريقية، وفتح المجال أمام تمدد إسرائيلي جديد ينتج عنه المزيد من صور العنف والدمار والقتل. لأنه وبحسب ما يتداول ستكون هذه الأرض التي اعترفت بها "إسرائيل" -بالطبع ليس دون مقابل- خياراً لتهجير الفلسطينيين إليها لا سيما من قطاع غزة.

ليبيا ودعم حفتر

في ليبيا، دعمت الإمارات اللواء المتقاعد خليفة حفتر سياسيًا وعسكريًا، رغم إدراكها أن مشروعه يقوض أي مسار سياسي جامع. لم يكن حفتر خيار استقرار، بل أداة لتعطيل الدولة ومنع تشكل سلطة مركزية مستقلة. إطالة أمد الصراع، لا حسمه، كانت النتيجة العملية لهذا الدعم، بما يضمن بقاء ليبيا ساحة مفتوحة للتجاذب لا دولة ذات سيادة.

السودان الاستثمار في القتل

أما في السودان، فقد ساهمت الإمارات في تغذية الصراع الأهلي عبر دعم أطراف مسلحة قامت بمجازر فظيعة بحق أبناء السودان كان أبرزها جريمة الفاشر حيث شهدت المدينة إبادة جماعية ومنع وصول للغذاء والدواء وحالات إنسانية لا يمكن التعبير عنها. وزاد هذا الواقع سوءاً مع بداية التواجد الإماراتي هناك وبناء القواعد العسكرية في السودان بدل بناء الدولة ومساعدة أهلها الفقراء، وجرى التعامل مع الحرب كفرصة نفوذ واستثمار، دون أدنى اكثراث للكلفة الإنسانية الهائلة.

المصالح فوق الشعوب

لا يمكن فصل هذا السلوك عن موقف الإمارات من الاحتلال الإسرائيلي. فالتطبيع مع الاحتلال والذي تعتبره الإمارات أنه خطوة في مسار "السلام" -الذي يبدو أنها لا تعرف عنه شيئاً-، هو في الواقع انسجام بنيوي مع مشروع يقوم على إضعاف الدول وتفكيك المجتمعات. فدعم الاعتراف بأرض الصومال، وتأييد المشاريع التوسعية، والتماهي المتزايد مع السياسات الإسرائيلية، كلها مؤشرات على تقاطع استراتيجي يخدم الاحتلال على حساب الشعوب المضطهدة وقضاياها العادلة.

تواجد الإمارات في هذه الساحات ليس صدفة، بل عقيدة سياسية واضحة تنتهجها الإمارات التي بالتأكيد لا تبحث عن استقرار حقيقي للدول، لأن الدولة القوية المستقلة تشكل عائقًا أمام نفوذها. ما تريده هو فراغ قابل للإدارة، دول ضعيفة، سلطات منقسمة، وكيانات تعتمد في بقائها على الرعاية الخارجية.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور