الأربعاء 31 كانون الاول , 2025 10:10

التصعيد ضد إيران: حسابات الداخل الإسرائيلي وحدود القرار الأمريكي

رغم ما روّجت له وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية من أن لهجة التهديد التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعكس بالضرورة فحوى الحوار الذي دار خلف الأبواب المغلقة بينه وبين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إلا أن هذا الاستنتاج لا يبدو بديهياً ولا مؤكداً. فالتجربة السابقة، وطبيعة العلاقة المركّبة بين الطرفين، تشير إلى احتمال كبير بأن يكون الخطاب التصعيدي المعلن جزءاً من إخراج إعلامي محسوب، يهدف بالدرجة الأولى إلى خدمة نتنياهو في معركته الداخلية، السياسية والانتخابية، أكثر مما يعكس تفاهمات استراتيجية حقيقية أو قراراً أمريكياً ثابتاً بالذهاب إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التهديدات الأمريكية الأخيرة بوصفها أداة ضغط نفسي وسياسي، تُستخدم لإعادة ترميم صورة الردع الإسرائيلي من جهة، ومن جهة أخرى توجيه العيون الإسرائيلية على التهديدات الخارجية بدلا من القضايا الداخلية.

أولاً: الإعلام الإسرائيلي… تضخيم التهديد لتعويض الهشاشة
خصصت القنوات التلفزيونية الإسرائيلية الرئيسية تغطية موسّعة للقاءات والتصريحات الأمريكية، مع تركيز مكثّف على إيران بوصفها “التهديد المركزي”:
• القناة 12 عرضت تصريحات ترامب كـ"إنجاز دبلوماسي" لنتنياهو، خاصة في الملف الإيراني، عبر نشرات وبرامج تحليلية ركّزت على فكرة “الدعم الأمريكي غير المشروط”. غير أن هذا الخطاب تجاهل حقيقة أن إسرائيل تعيش أزمة ثقة داخلية، وأن أي مواجهة مفتوحة مع إيران قد تتجاوز قدراتها العسكرية الذاتية.
• القناة 13 ذهبت أبعد في ربط التهديدات الأمريكية بتقارير عن تدريبات عسكرية إيرانية، في محاولة لصناعة شعور بخطر وشيك، رغم أن هذه التدريبات تندرج ضمن سياق دفاعي طبيعي، في ظل تهديدات إسرائيلية متواصلة منذ سنوات.
• القناة 11 بصفتها قناة عامة، ركّزت على الأبعاد الدبلوماسية، وأقرت بشكل غير مباشر بأن ترامب لا يفضّل الحرب، وأنه ميّال إلى منطق الصفقات والتفاوض، ما يتناقض مع الصورة التي تحاول حكومة نتنياهو ترسيخها.
• أما قنوات مثل i24NEWS والقناة 14، فقد تبنّت خطاباً أكثر أيديولوجية، قدّم التهديدات الأمريكية باعتبارها “انتصاراً إسرائيلياً”. 

ثانياً: انقسام النخبة الإسرائيلية… القلق خلف الإجماع الظاهري
على الرغم من الإجماع الإعلامي الظاهري، تكشف مقالات الرأي والتحليل في الصحافة الإسرائيلية عن انقسام واضح داخل النخبة السياسية والأمنية:
• في Times of Israel وJerusalem Post، أشاد كتّاب مقرّبون من المؤسسة الأمنية بدعم ترامب، واعتبروه فرصة يجب استغلالها لتشديد الضغط العسكري على إيران، وهو ما يعكس في جوهره خشية من أن يكون هذا الدعم ظرفياً وقابلاً للتراجع.
• في المقابل، حذّر كتّاب هآرتس، مثل عاموس هاريل وزفي بارئيل، من أن أي تصعيد واسع مع إيران قد يكون “كارثياً”، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل اقتصادياً واستراتيجياً، مشيرين إلى قدرة إيران على امتصاص الضربات وإعادة بناء قدراتها بسرعة، مقابل هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
ثالثاً: ترامب… التهديد كأداة تفاوض لا كقرار حرب
بعيداً عن الصورة التي يسعى الإعلام الإسرائيلي إلى ترسيخها، فإن سلوك ترامب السياسي يُظهر أن التهديدات القصوى تُستخدم غالباً كوسيلة لتحسين شروط التفاوض، لا كتمهيد لحرب شاملة.
فخلال ولايته السابقة، ورغم التصعيد الكبير واغتيال قائد فيلق القدس الشهيد قاسم سليماني، تجنّب ترامب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة طويلة الأمد. كذلك خلال العدوان الأخير  جاءت الضربات الأمريكية كنهاية للحرب. واليوم، يدرك ترامب أن أي حرب مع إيران ستؤدي إلى تداعيات خطيرة، خاصة في المنطقة وبالتالي على المصالح الأمريكية وهذا ما يخالف مشروعه حول السلام وتهيئة المنطقة للتطبيع. 
وهذه الحسابات تفسّر القلق الإسرائيلي المتزايد من احتمال أن يفضّل ترامب في نهاية المطاف “صفقة محسّنة” مع طهران، بدلاً من تلبية الرغبات الإسرائيلية بالتصعيد العسكري.
رابعاً: إيران… تثبيت الردع وإدارة الصراع ببرودة أعصاب
في مواجهة هذا الخطاب التصعيدي، تُظهر الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثباتاً استراتيجياً لافتاً:
• تواصل تطوير قدراتها الصاروخية والدفاعية ضمن عقيدة ردعية معلنة.
• تدير صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن قواعد اشتباك محسوبة، دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.
وعليه، فإن التحذيرات الإيرانية من “حرب شاملة” تُقرأ في سياق ردعي، هدفه منع المغامرة الإسرائيلية، لا الدفع نحوها.

خامساً: التداعيات المستقبلية
يمكن تلخيص المشهد في النقاط التالية:

• تهديدات ترامب قد تخدم نتنياهو داخلياً أكثر مما تعبّر عن سياسة أمريكية مستقرة.
• إسرائيل غير قادرة على خوض حرب منفردة ضد إيران، وتعتمد على دعم أمريكي غير مضمون.
• أي تصعيد واسع سيكون إقليمياً ومكلفاً، ولا يخدم المصالح الأمريكية على المدى البعيد.
في المحصلة، لا يمكن قراءة التهديدات الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بمعزل عن سياقها السياسي والإعلامي الأوسع. فهي تبدو، إلى حدّ كبير، جزءاً من إدارة صورة أكثر منها تعبيراً عن قرار استراتيجي بالحرب. فبين حاجة نتنياهو إلى تصدير إنجاز خارجي يخفّف من وطأة أزماته الداخلية وابقاء التصعيد قائم، ورغبة ترامب في استخدام لغة الضغط القصوى لتحسين موقعه التفاوضي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، تتحوّل إيران إلى محور حرب نفسية أكثر منها هدفاً لحرب وشيكة.
في المقابل، تُظهر طهران قدرة متزايدة على قراءة هذا المشهد والتعامل معه بهدوء محسوب، مستندة إلى معادلة ردع قائمة، وإلى إدراك بأن ميزان الكلفة والعائد لأي تصعيد واسع لا يصب في مصلحة خصومها. وعليه، فإن الضجيج الإعلامي القائم يعكس في جوهره الرغبة الشخصية لنتنياهو، أكثر مما يعكس استعداداً إسرائيلي - أمريكي لتغيير قواعد الاشتباك القائمة مع ايران. لكن هذا لا يعني أبداً انتفاء فكرة جولة ثانية من عدوان أمريكي إسرائيلي محدود ضد الجمهورية الإسلامية، بل إن خطة الحرب موجودة على طاولة مجلس وزراء الكيان ودونها مخاطر عسكرية وتحديات سياسية وغيرها.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور