منذ عقود، شكلت المساعدات العسكرية الأميركية لكيان الاحتلال حجر الزاوية في سياسات الولايات المتحدة تجاه "إسرائيل". لكن في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين والإبادة الجماعية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية، باتت هذه المساعدات تتجاوز حدود الدعم التقليدي لتصبح أداة تمكين لارتكاب الانتهاكات والمجازر الواسعة. ومع اقتراب انتهاء الاتفاق العسكري الحالي وتداول إمكانية توقيع مذكرة تفاهم جديدة تمتد لعشرين عامًا، يواجه الرأي العام والكونغرس الأميركيان تحديًا حاسمًا بحسب مقال نشره موقع "ذا ناشيونال انترست" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ فهل ستواصل الولايات المتحدة تقديم "شيك مفتوح" للكيان، أم أنها ستعيد النظر في سياستها لضمان أن تكون المساعدات الأميركية أداة للضغط على "إسرائيل"؟
النص المترجم:
لا ينبغي للرئيس دونالد ترامب أن يتخلّى عن ورقة الضغط المتمثّلة بالمساعدات العسكرية، وهي الورقة اللازمة لإخضاع "إسرائيل" لانسجام أكبر مع السياسة الخارجية الأميركية. عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منتجع مارالاغو في 29 كانون الأول/ديسمبر للقاء الرئيس ترامب، يُرجَّح أنه ناقش إمكانية التزام أميركي بتقديم مساعدات عسكرية ل "إسرائيل" لمدة 20 عامًا. وقد يدخل هذا الالتزام حيّز التنفيذ عند انتهاء الاتفاق الحالي المعروف بـ "مذكرة التفاهم" في عام 2028. إلا أن الرئيس ترامب لا ينبغي له التفريط بأداة الضغط هذه، الضرورية لإجبار "إسرائيل" على الالتزام بتوجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
ينبغي على الرأي العام والكونغرس ممارسة ضغط حازم على الإدارة لرفض تمديد مذكرة التفاهم. فبالنظر إلى سظلوك "إسرائيل" خلال العامين الماضيين، لا يجدر بها تلقّي أي مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة، ناهيك عن تعهّد يمتد لعشرين عامًا. إن إبرام اتفاق طويل الأمد جديد للمساعدات العسكرية سيكون بمثابة مصادقة فعلية على السلوك الإجرامي الذي تمارسه "إسرائيل" في غزة، وعلى عدوانها المستمر في الضفة الغربية وفي المنطقة الأوسع.
قلة من الأميركيين يعلمون أن حكومتهم منخرطة حاليًا في اتفاق يمتد لعشر سنوات، يُلزم الولايات المتحدة بتقديم ما لا يقل عن 3.8 مليارات دولار سنويًا من الأسلحة ل "إسرائيل"، ولا تحظى أي "دولة" أخرى بمثل هذا الترتيب الخاص مع الولايات المتحدة. ويُعدّ مبلغ 3.8 مليارات دولار حدًا أدنى لا سقفًا أقصى، وهو ما يتضح من العام الأول للحرب الإسرائيلية على غزة، حين قدّمت إدارة بايدن مساعدات عسكرية قياسية لإسرائيل بلغت 17.9 مليار دولار.
إن سيل الأسلحة المموَّلة من دافعي الضرائب الأميركيين إلى "إسرائيل" منذ بدء الإبادة في غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، مكّنها من ارتكاب ما يعتقد كثير من الخبراء المستقلين أنه إبادة جماعية في القطاع. الكلفة الإنسانية مدمّرة. فقد أدّت العمليات العسكرية المباشرة التي نفّذها جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى مقتل أكثر من 67 ألف فلسطيني، من مدنيين ومقاتلين، وإصابة نحو 169 ألفًا آخرين، إضافة إلى أعداد لا تُحصى من الوفيات غير المباشرة نتيجة الجوع والأمراض وانعدام الخدمات الطبية الأساسية.
لم يكن لأيٍّ مما سبق أن يحدث لولا المساعدات العسكرية الأميركية، فمجمل أسطول الطائرات القتالية الإسرائيلية يتكوّن من طائرات أميركية الصنع من طراز "اف 15 و16 و35"، كما زوّدت الولايات المتحدة "إسرائيل" بعشرات آلاف القنابل والصواريخ منذ بدء هجماتها على غزة. وكان بإمكان إدارتي بايدن أو ترامب وقف المجزرة في أي وقت عبر قطع المساعدات ووقف أعمال الصيانة وتوفير قطع الغيار للآلة العسكرية الإسرائيلية، لكن بدلًا من ذلك، اختارت الإدارتان توجيه اللوم اللفظي إلى تل أبيب، من دون اتخاذ أي خطوات عملية لكبح سلوكها.
وقد افترض بعضهم أن أسوأ مراحل القتل قد انتهت مع دخول خطة الرئيس ترامب الخاصة بغزة حيّز التنفيذ. غير أن ما يُسمّى "اتفاق ترامب" ليس سوى وقف إطلاق نار بالاسم فقط، إذ تواصل الإجراءات الإسرائيلية قتل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بشكل شبه يومي. صحيح أن الكونغرس يستطيع التدخل في أي مرحلة لوقف المساعدات خلال الاتفاق المقترح الممتد لعشرين عامًا، إلا أن تقديم تعهّد بالمساعدات على مدى عقدين سيُقيّد الولايات المتحدة أكثر، ويُضعف قدرتها على بذل أي جهد جدي لكبح العدوان الإسرائيلي في غزة وفي عموم المنطقة.
إذا جرى الالتزام بالممارسة السابقة، فسيُحدَّد مضمون مذكرة التفاهم الجديدة خلف الأبواب المغلقة، مع غياب شبه كامل لدور الكونغرس أو الرأي العام. إن مثل هذا الاتفاق لا يمكن ولا ينبغي أن يُمرَّر في وضح النهار. فالقمع بحق الفلسطينيين لا يزال مستمرًا بوتيرة متسارعة، كما أن النزعة العسكرية التوسعية ل "إسرائيل"، بما في ذلك ضرباتها الجوية على إيران، قد تجرّ الولايات المتحدة إلى حرب جديدة أخرى في الشرق الأوسط. وقبل أن تُقدِم الإدارة على الالتزام بإنفاق عشرات مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب لصالح دولة ترتكب إبادة جماعية في أجزاء من فلسطين تحت حكمها العسكري الوحشي، وتهاجم دولًا أخرى في المنطقة، ينبغي عليها تعليق المساعدات العسكرية واستخدامها كورقة ضغط لإجبارها على وقف انتهاكها لوقف إطلاق النار في غزة، وكذلك لدفع تل أبيب إلى كبح هجماتها العسكرية المتواصلة، سواء ضد الفلسطينيين أو ضد الدول المجاورة.
ينبغي على الكونغرس والرأي العام الضغط من أجل وضع حدّ لـ "الشيك العسكري المفتوح" الذي تقدّمه الولايات المتحدة ل "إسرائيل"، وذلك عبر تعطيل أي اتفاق طويل الأمد وتعليق الدعم العسكري القائم، واستخدامه كورقة ضغط لفرض إنهاء القتل العشوائي الذي تمارسه "إسرائيل" بحق الفلسطينيين. لقد حان الوقت، منذ زمن بعيد، لوضع حد لنهج "الأعمال المعتادة" في العلاقات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية.
المصدر: The National Interest
الكاتب: William D. Hartung