الأربعاء 31 كانون الاول , 2025 03:46

الحاج قاسم: أسطورة بمقام مدرسة

الشهيد قاسم سليماني

نقترب من الذكرى السادسة لاستشهاد القائد الراحل لقوة القدس التابعة لحرس الثورة الإسلامية وأبرز قائد في مكافحة الإرهاب الدولي، اللواء الحاج قاسم سليماني، فيما يمرّ العالم والمنطقة بأيام بالغة التوتر وتظهر مؤشرات قوية على اتساع رقعة انعدام الأمن واندلاع صراع مدمر لتحقيق أقصى قدر من النفوذ بين أطراف النظام العالمي والفاعلين دون النظاميين.

فمن جهة، لا تزال الحرب في أوكرانيا تدور في حلقة مفرغة من الأزمة ولا يلوح نهاية واضحة لها، ومن جهة أخرى، أدخل دونالد ترامب دفعات قوية من سياسات الهيمنة في قالب القومية الأمريكية إلى فضاء السياسة العالمية. كما أن الحرب في غزة، وإن كانت قد انتهت ظاهرياً، إلا أن الأزمة الإنسانية لا تزال قائمة في أعمق أشكالها الممكنة في المنطقة. كما خلق العدوان الإسرائيلي الذي استمر 12 يوماً على إیران أزمة شاملة لكل المنطقة، وهي أزمة يبدو أنها مستمرة وقد تشتعل نيرانها المحرقة من تحت الرماد في أي لحظة. كل هذا يزيد بشكل ملحوظ من حجم الهواجس الأمنية في هذه المنطقة الاستراتيجية.

وسط هذه التطورات، التي يمكن وصفها أيضاً بمرحلة الانتقال من النظام القائم إلى نظام جديد – حتى لو بقيت هياكل النظام القائم الرئيسية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن وحق النقض (الفيتو) وغيرها – فإن على الفاعلين الراغبين في البقاء في النظام العالمي المستقبلي أن يستخدموا بقدر أكبر من اليقظة والفعل الواعي والذكي قواعد اللعبة في النظام الدولي لخدمة مصالحهم الوطنية، إذ أن أي خطأ في التقدير في مثل هذه الأوقات قد تكون له عواقب وخيمة على أمة بأكملها، كما شهدنا في التطورات التي سبقت الحربين العالميتين وخلالهما، حيث انهارت الإمبراطورية العثمانية بفعل خطأها في التقدير ودخولها لهيب الحرب العالمية الأولى وانسحبت من الساحة الجغرافية السياسية وكذلك من التفاعلات العالمية.

في مثل هذه الظروف، يُعدّ وجود وكلاء أذكياء يستطيعون تمييز قواعد اللعبة على المستوى النظامي ومنع تحرك أمة على حافة الهاوية من خلال تغيير موازين معادلات القوة، ضرورة، وشهد التاريخ أن مثل هذه الشخصيات تكون محل احترام وتكريم وأحياناً تقديس أمة، لأن هؤلاء الوكلاء يتجاوزون فرديتهم ليظهر ويتجسدوا ويستمرّوا في صيغة أساطير لامعة. والأساطير هي نفسها العناصر القوية المكوّنة للخطابات، والخطابات هي التي تشكل مستوى السببيات، والسببيات هي التي تشكل المظاهر الموضوعية في الحياة الاجتماعية للأمم.

ومن جهة أخرى، في العصر الحديث، الذي تتعرض فيه المجتمعات البشرية، بسبب ديناميكيات المكان والزمان وكذلك التحولات التكنولوجية الواسعة والمذهلة، لعواصف معلوماتية هائلة، ويعمل فاعلو هذا الفضاء الحديث باستخدام أدوات جذابة كالسينما ووسائل الاتصال باستمرار على إعادة إنتاج إشارات ورموز ماورائية أو فوق بشرية للإنسان المعاصر وفق مقاصدهم، أصبح الحفاظ على التراث الحضاري والنظام الأسطوري للمجتمعات أمراً صعباً، فكيف الحال إذا أرادوا في مثل هذا الفضاء خلق أساطير جديدة أيضاً

هذه النقطة المهمة، التي أصبحت تعبر عن إحدى الخصائص الأساسية للنظام العالمي، تحمل رسالة مفادها أنه إذا لم تبذل المجتمعات الوطنية جهداً حثيثاً في مجال الحفاظ وصون نظامها الأسطوري، فلن يمرّ وقت طويل حتى تذوب في إحداثيات النظام المعولم وتختبر عولمة موحدة ومنصهرة في النظام العالمي، وهذا يعني هدم قيم وأمجاد وتاريخ وحضارة أي مجتمع.

في مثل هذه الحالة، إذا لم تتشكل قوة مقاومة قوية داخل المجتمعات، فإن أي عامل خارجي يمكن أن يعرّض حياة ذلك المجتمع للخطر ويُحَوِّل كينونته إلى حالة من التشتت وفقدان المعيار (الأنومي) وبالتالي ظهور أزمات أمنية واقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة، يكون التعامل مع الآثار السلبية لأي من هذه العواقب أحياناً غير قابل للإصلاح وأحياناً أخرى يتطلب عمليات إعادة إعمار طويلة الأمد واستثمارات كبيرة.

من المقدمتين المهمتين اللتين ذُكرتا في صدر هذه المقالة يمكن استنتاج أن المجتمع الإيراني، شأنه شأن المجتمعات الأخرى، يحتاج لمزيد من اليقظة داخل هذه الديناميكيات من أجل عبور آمن من التطورات المقبلة، ويجب الاهتمام أكثر من ذي قبل بإحداثيات العالم المعاصر في هيكل صنع القرار وفعل السياسة الداخلية والخارجية للبلاد. وفي هذا الصدد، فإن دور البنية – الوكيل دور معزز، حيث يمكن للبنية السياسية والاجتماعية وكذلك بُعد الوكالة فيها أن يشكلا جبهة قوية للحفاظ على الهوية والمصالح وكذلك مكانة البلاد على الساحة الدولية.

وبما أنه لا تتوفر الفرصة لمعالجة كل الموضوعات وجوانب التحليل في هذه المساحة، فإنني أنوي من بين جميع العوامل والأبعاد التحليلية إبراز بُعد الوكالة والقدرات التي يمكن أن يؤديها في مثل هذه الحالة، مع التركيز على الشهيد العظيم الحاج قاسم سليماني، كمثال رفيع، بقدر المستطاع.

كان الشهيد سليماني رمزاً لنموذج حل المشكلات على أساس خلق وفاق داخلي وفعل نشط على الساحة الدبلوماسية وفي ديناميكيات النظامين الإقليمي والعالمي، حيث كان يسعى بإيمان وذكاء للدفاع عن حدود الهوية والعقيدة والأخلاق وكرامة الإنسان. كان الشهيد سليماني يدرك جيداً مقومات النظام الدولي وكيفية الفعل في وسطه، وكان يخلق توازن القوى في ساحة النظام الدولي بذكاء لأنه كان يعلم أنه دون الاستفادة من الفرص الموجودة داخل الصراعات الجيوسياسية بين أطراف القوى على مستوى النظام، لا يمكن التغلب على الأزمات الدولية المعقدة، أو أن ذلك سيكون بكلفة عالية جداً ومستقبل غامض؛ لذلك كان له دور بارز في إقناع الكرملين بالدخول في التصميم العملياتي الإيراني، أو من وجهة نظر أخرى، في إشراك التصميم والعملية الروسيين مع تصميم وعملية محور المقاومة.

كان يتجاوز القيادة الميدانية، إذ في قاموس سياسي صادق وواعٍ، كان يتابع بذكاء عالٍ معادلات الميدان مقرونة بطاولة المفاوضات والمساومات السياسية لتحسين كلفة الميدان وتعظيم المصالح الوطنية، ويتجنب جداً الوقوع في ثنائية الميدان – الدبلوماسية. لولا هذا الفهم الدقيق منه لعلاقات القوى والتفاعلات المعقدة في مجال توازن القوى على ساحة النظام الدولي، لكان لمنطقة الشرق الأوسط وفاعلي محور المقاومة اليوم مصير آخر.

وفي البعد الثاني للتحليل أيضاً، ما يضع الشهيد سليماني في بؤرة الاهتمامات الداخلية وكذلك في جغرافيا المقاومة الإسلامية ويرتقي به إلى رمز للثبات، هو فعله الواعي والمسؤول داخل النظام المعياري للمجتمعات المذكورة، ما منحه قامة أسطورة رفعت من مكانته ومكانه. كان الشهيد سليماني رمزاً لخطاب يرى القوة نتاج عملية ثنائية وتفاعلية، ولا يرى تحقيق النصر في الخارج وعلى الساحة الميدانية ممكناً إلا من طريق التقوية والتحشيد وتعزيز هيكل القوة في الداخل. كان العزيز سليماني يعتبر الانتصارات الكبيرة على الساحة الميدانية مدينة بوجود مجتمع متعاطف ومتحد في الداخل، وكان يلفت انتباه الجميع إلى ذلك ويذكرهم به، وكان هو نفسه نموذجاً كاملاً في العمل بهذا الأمر. من هذا المنظور، إذا وصلت المقاومة في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين إلى مكانة تفتخر بالإنجاز المشكور المتمثل في إزالة الشرور من المنطقة، فلن يكون ذلك إلا لأنها كانت تستند إلى قوة اجتماعية، وأي ضرر أو تهديد يواجهها ناجم بالضبط عن هذه النقطة. وبناءً على ذلك، فإن المقاومة اليوم ليست مجرد مجموعة مقاتلة، بل هي رمز لمجتمع متعاطف ومتحد يتعاضد طرفاه.

وعلى هذا الأساس، فإنه اليوم، ورغم كل الأضرار والشرور التي لا يمكن وصفها للعدو الصهيوني في المنطقة، لا تزال المقاومة إحدى الفواعل الرئيسية في التطورات الأمنية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية المقبلة لمجتمعات المنطقة، وهي لا تزال حية ونشطة؛ تلك المقاومة التي تبحث عن أساطيرها من داخل رموز مثل شهداء سليماني وتبني هويتها ومصالحها على أساسها.

واعتماداً على هذه الخصائص، فإن المقاومة اليوم حقيقة مُشَكَّلة وحدث اجتماعي، ولا يمكن حذفها من ساحة معادلات المنطقة، وفي الوقت الذي يتجه فيه عنصر النظام في المنطقة والعالم أكثر من أي وقت مضى نحو نوع من الاستفحال بالأزمات وتقوية عناصر الواقعية مثل الاعتماد على الذات الذكي واستخدام نماذج معقدة ومتعددة الأطراف لموازنة القوة، فإن منطق المقاومة هذا هو الذي يمكن أن يقدم حلاً للخروج من الأزمات الحالية والمقبلة.

شهيدنا السعيد، سليماني اليوم ليس مجرد قائد جهادي عظيم، بل هو جزء كبير من النظام الأسطوري الإسلامي. هو اليوم يتجاوز كونه قائداً عسكرياً، فله قامة بطول أسطورة؛ أسطورة تجعل مسار التطورات المقبلة متأثراً بها، ولا تموت فحسب، بل تتجدد وتستمر باستمرار. فاليوم، شخصيات بارزة مثل السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين وإسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد السنوار ومحمد الضيف ومئات الأسماء الأخرى، أصبح كل منهم أساطير فريدة تقف كشعلات متوهجة في طريق شعوب المنطقة نحو السعادة.

رحمة ورضوان ومغفرة الله الواسعة قرينة روح ذلك القائد الكبير والأسطورة ذات الصيت العالي الإيرانية والإسلامية ورفاقه الشهداء!


الكاتب:

محمد محمودي كيا

كاتب وباحث سياسي من إيران.
عضو الهيئة الأكاديمية لمعهد الإمام الخميني (رض) والثورة الإسلامية.




روزنامة المحور