يناقش هذا المقال الذي نشره موقع "Middle East Eye" وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، بأن العلاقات ما بين السعودية والإمارات تدخل مرحلة مواجهة علنية، مع نزاعات حول اليمن والسودان والصومال وإسرائيل، بشكل يهدّد بإعادة رسم التحالفات. مشيراً الى أن النزاع هذه المرة أخطر من النزاع الذي حصل سابقاً مع إمارة قطر عام 2017، لأنه أقل ارتباطاً بسياسات الإجماع الخليجي، وأكثر ارتباطاً بتنافس استراتيجيات إقليمية. وهذا ما "يجعل التوتر أشد وأصعب احتواءً، حتى لو لم يصل إلى حد القطيعة الدبلوماسية الكاملة"، بحسب تعليق أحد الخبراء لكتّاب المقال.
النص المترجم:
إن تحوّل السعودية والإمارات العربية المتحدة من حليفين خليجيين سابقين إلى خصمين مكشوفين يفتتح العام الجديد.
لفترة من الزمن، كانت القوتان على خلاف حول قضايا تمتد من إنتاج النفط إلى الحرب في السودان، إلا أن تبايناتهما نادراً ما ظهرت إلى العلن. لكن، بحسب محللين، من المتوقع أن يتغير ذلك في عام 2026.
فقد قصفت السعودية، يوم الثلاثاء، ميناء المكلا في جنوب اليمن، مستهدفة ما قالت إنه شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات كانت متجهة إلى "المجلس الانتقالي الجنوبي" الانفصالي.
وفي توبيخ علني غير مسبوق، اتهمت السعودية الإمارات بسلوك "بالغ الخطورة" يهدد أمنها.
وردّت الإمارات باتهام السعوديين بنشر "مغالطات جوهرية".
كما دخل معلقون معروفون من كلا البلدين على خط السجال، مطلقين ردوداً نادرة على الجيران.
وقال عبد الخالق عبد الله، وهو أكاديمي إماراتي بارز، إن "الاعتداء العسكري الفاضح" على جنوب اليمن "ليس عملاً بطولياً".
وفي حديث مباشر على قناة الجزيرة، قال عبد العزيز الغشيان، المحلل السعودي، إنه — بصفته سعودياً — لا يعلّق عادة على تصرفات الإمارات كي لا "يساهم في نقاش غير صحي على الإطلاق".
وأضاف: "لكن الآن لم يعد هناك أي شك في أن الوضع يدخل مرحلة قد لا تعود فيها الأمور إلى طبيعتها".
واعتبر الغشيان أن الانفصاليين والساعين إلى التقسيم في مختلف أنحاء المنطقة يحاولون تغيير الوقائع الجغرافية والحدودية والسياسية "بما يخدم الإمارات على حساب السعودية".
حتى في ذروة التوترات الخليجية خلال حصار قطر قبل نحو عقد، لم تقدم السعودية على قصف قوى متحالفة مع دولة جارة لها بشكل مباشر.
وسيُعرَّف الشرق الأوسط في عام 2026 بمدى قدرة أبوظبي والرياض على إدارة تنافسهما المتصاعد، الذي بات علنياً.
وقال كريستيان أولريكسن، الخبير في شؤون الخليج والباحث في معهد بايكر، لموقع ميدل إيست آي، إن تباعد المقاربات مستمر منذ سنوات، لكن آليات الاحتواء لم تعد تعمل.
وأضاف: "قد تكون الإمارات تقترب من نقطة تحول في قدرتها على الموازنة بين علاقاتها الإقليمية مع شركاء رئيسيين مثل السعودية ومصر، وبين دعمها لجهات مسلحة من غير الدول"، مشيراً إلى اليمن والسودان كمثالين.
الرياض تركز على الردع
كشف ميدل إيست آي الشهر الماضي أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يعتزم الضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن دور الإمارات في دعم قوات "الدعم السريع" شبه العسكرية في السودان.
ويرجّح بعض المحللين الآن أن هذا الضغط، الذي أكده ترامب علناً، ساهم في تدهور العلاقات في اليمن.
ففي حين تدعم الإمارات هذه القوات شبه العسكرية، انحازت السعودية بثقلها إلى جانب الجيش السوداني.
أما في اليمن، فعلى الرغم من معارضة الطرفين للحوثيين ودعمهما للحكومة المعترف بها دولياً، فإن الإمارات تدعم منذ سنوات "المجلس الانتقالي الجنوبي".
وقد سيطرت الجماعة الانفصالية على مساحات واسعة من جنوب شرقي اليمن في وقت سابق هذا الشهر، ما استدعى الهجوم السعودي هذا الأسبوع.
ساحة خلاف أخرى هي الصومال. فقد انضمت السعودية الأسبوع الماضي إلى عشرات الدول في إدانة اعتراف إسرائيل بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي.
وغاب اسم الإمارات عن القائمة الطويلة للدول العربية والإسلامية المعارضة للاعتراف. ومن المعروف أن أبوظبي تعمل بشكل وثيق مع "أرض الصومال"، بما في ذلك بناء قاعدة عسكرية هناك.
ويقول خبراء إن خطوط التصدع باتت واضحة: الإمارات تدعم قوى شبه عسكرية وحركات انفصالية في أنحاء المنطقة، فيما تعمل السعودية على بناء تحالفات سياسية للحفاظ على الحدود القائمة للدول في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
وقال هشام الغنام، المحلل الدفاعي السعودي في الرياض والباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، لميدل إيست آي:
"في حين تستطيع الإمارات حشد قوى وكيلة كبيرة، فإن ميزة السعودية اليوم تكمن في مكان آخر: الشرعية الدولية، والعمق الاستراتيجي، والنفوذ الاقتصادي، والدروس المستفادة".
وأضاف: "ابتعدت الرياض عن نمط الحروب التوسعية واسعة النطاق، واتجهت نحو نموذج يركز على الردع، والضغط الانتقائي، والنتائج السياسية".
وأوضح الغنام أن الرياض تعلمت من تدخلها السابق في اليمن، حيث قادت تحالفاً لم ينجح في هزيمة الحوثيين نهائياً، أن الاعتماد على الوكلاء والقوة النارية وحده لا يكفي.
خط انقسام آخر يتعمق يتمثل في كيفية التعامل مع إسرائيل، التي طبّعت أبوظبي علاقاتها معها عام 2020.
وقالت كريستين ديوان، الباحثة المقيمة الأولى في معهد دول الخليج العربية، لميدل إيست آي:
"الإماراتيون مضوا قدماً في مسار التكيف مع الإسرائيليين منذ اتفاقات أبراهام".
وأضافت: "ومع عجز السعودية وعدم رغبتها في اللحاق بهم في ظل حرب غزة، زادت الإمارات من تنسيقها مع القوة الإقليمية غير العربية الأخرى، تركيا".
واعتبرت أن ذلك مؤشر على تشكل اصطفاف جديد آخذ في الظهور، وإن كان لا يزال بعيداً عن التبلور في معسكرات واضحة.
"أخطر" من الخلاف مع قطر
آخر مرة شهدت فيها منطقة الخليج قطيعة كبرى بين قوى إقليمية، كانت الإمارات والسعودية في الخندق نفسه.
وقد تعزز اصطفاف البلدين عندما اتهما قطر بدعم الإسلاميين السياسيين، الذين خشيت أبوظبي والرياض أن يزعزعوا استقرار أنظمتهما الملكية.
وتصاعد الخلاف في عام 2017 بفرض حصار تقوده السعودية على الدوحة.
وقال عماد الدين بادي، الباحث والخبير في شؤون الجماعات المسلحة، لـميدل إيست آي:
"تمكنت الإمارات من توحيد معظم دول مجلس التعاون ضد قطر تقريباً".
لكن هذه المعادلة تغيّرت لاحقاً.
فبينما تعمل السعودية على بناء تحالفات، يرى بادي أن الإمارات "استعدت أطرافاً أخرى"، من بينها مصر وتركيا.
وأضاف: "إذا تبلور هذا التحالف ضد الإمارات، فسيكون ذلك تحولاً جيوسياسياً غير مسبوق في كيفية توزيع موازين القوة في معظم الشرق الأوسط".
وقال الغنام إن الأزمة الحالية، رغم اختلاف طبيعتها عن أزمة 2017، أكثر خطورة.
وأضاف: "كانت أزمة قطر قطيعة دبلوماسية أُديرت عبر وساطات خليجية ودولية وانتهت في نهاية المطاف بالتراجع عنها".
وكانت الكويت وسلطنة عمان من بين الوسطاء في الخلاف الخليجي مع قطر. أما إيجاد وسطاء بين أبوظبي والرياض، فقد يكون أكثر صعوبة.
تضخيم مفرط؟
قال الغنام إن النزاع هذه المرة أقل ارتباطاً بسياسات الإجماع الخليجي، وأكثر ارتباطاً بتنافس استراتيجيات إقليمية، "ما يجعل التوتر أشد وأصعب احتواءً، حتى لو لم يصل إلى حد القطيعة الدبلوماسية الكاملة".
من جهته، رأى بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والباحث المشارك في "تشاتام هاوس"، أن الخلافات العلنية في الخليج ليست نادرة كما يُعتقد.
وبالإضافة إلى أزمة قطر، أشار إلى توترات علنية بين عمان والإمارات عام 2011.
وقال السيف لـميدل إيست آي:
"هذه دول طبيعية، مثل أي دول أخرى، تتصادم فيما بينها. لا داعي لتفريد الخليج أو إضفاء طابع غرائبي عليه، فهذا يحدث كثيراً".
وأضاف أنه لا يرى في التوترات الحالية شرخاً كبيراً، معتبراً أن المصالح المشتركة في التجارة والسياحة وسواها ستعيد الطرفين في النهاية إلى التقارب.
وختم بالقول:
"داخل مجلس التعاون، هناك شعور عالٍ بأننا جميعاً في مركب واحد، ولا يمكننا تحمّل صراعات إضافية. المشكلة كانت دائماً في كيفية إدارة هذا الصراع".
المصدر: Middle East Eye
الكاتب: غرفة التحرير