شكّل السابع من أكتوبر 2023 نقطة انعطاف حاسمة في مسار الصراع الإقليمي، إذ لم يكن حدثًا عسكريًا معزولًا في غلاف غزة، بل الشرارة التي أطلقت سلسلة تحولات انتهت إلى مواجهة مباشرة بين إيران وكيان الاحتلال الإسرائيلي في يونيو 2025. خلال هذه الفترة، انتقلت المواجهة من حروب الظل والمناطق الرمادية إلى صدام مفتوح كسر الخطوط الحمراء، وفرض واقعًا أمنيًا جديدًا في غرب آسيا، عنوانه تآكل التفوق الإسرائيلي وتقدم النموذج الإيراني القائم على التراكم والصبر الاستراتيجي.
اعتمدت إيران في إدارتها للصراع على ما يمكن وصفه بـ"الزحف الناعم"، وهو نهج أمني طويل النفس يقوم على النخر التدريجي في بنية العدو بدل السعي إلى ضربة قاضية سريعة. في المجال الاستخباراتي، لم تركّز طهران على اختراقات استعراضية، بل عملت على بناء شبكات بشرية واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، مستفيدة من الثغرات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، خصوصًا في أوساط المهاجرين الجدد والعاملين في وظائف هامشية أو حساسة. هذا التراكم البطيء أنتج مع مرور الوقت قدرة فعلية على النفاذ إلى عمق المؤسسات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ومنح إيران بنك أهداف حيًّا ومحدّثًا.
في المقابل، تمسّك كيان الاحتلال بعقيدة أمنية قائمة على الاستعلاء التكنولوجي والصدمة السريعة، معتمدًا على التفوق التقني، والاغتيالات النوعية، والضربات الجوية عالية الكثافة. ورغم أن هذه المقاربة وفّرت له إنجازات تكتيكية وصورًا دعائية، إلا أنها أخفقت في إنهاء مصادر التهديد. فقد أظهرت الوقائع أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، من منظومات الدفاع الجوي إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، خلق حالة من العمى تجاه الخطر البشري، وهو ما تحوّل إلى أحد أبرز مواطن الضعف منذ عملية طوفان الأقصى.
بلغ هذا التناقض بين المنهجيتين ذروته خلال حرب يونيو 2025. دخل الكيان المعركة على أساس فرضية تحقيق انهيار إيراني سريع عبر ضربات مركّزة تستهدف القيادة والدفاعات الجوية ومراكز القيادة والسيطرة، مستندًا إلى تفوقه الجوي والدعم الأميركي المباشر. غير أن الرد الإيراني جاء انعكاسًا لسنوات من العمل التراكمي، حيث استُخدمت معلومات دقيقة وفّرتها شبكات التجسس، إلى جانب قدرات صاروخية متطورة وهجمات سيبرانية متزامنة، ما أدى إلى شلل واسع في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وأسقط الرهان على الحسم السريع.
الأخطر في هذا المسار كان الانهيار الاستخباراتي داخل الكيان، حيث سقطت سردية "المجتمع المحصّن" أمام موجة تجنيد غير مسبوقة طالت إسرائيليين يهودًا في مواقع مختلفة، بعضها شديد الحساسية. لم يعد الجاسوس عنصرًا غريبًا عن البيئة، بل جارًا أو موظفًا أو عامل صيانة داخل منشآت سيادية. هذا الاختراق منح طهران قدرة على مراقبة القواعد الجوية، ومنظومات الدفاع، وتحركات شخصيات سياسية وأمنية بارزة، وأسهم مباشرة في تحسين دقة الضربات الإيرانية خلال الحرب.
ترافقت هذه الاختراقات البشرية مع تصعيد واسع في الحرب السيبرانية، التي انتقلت من مستوى الإزعاج إلى مستوى التدمير والتأثير المباشر. استهدفت الهجمات الإيرانية البنى التحتية الحيوية، من طاقة ومياه ونقل، كما طالت الهواتف الشخصية لصنّاع القرار، ما أدى إلى تسريب بيانات حساسة، وكشف دوائر مغلقة داخل القيادة الإسرائيلية. ولم تقتصر العمليات على جمع المعلومات، بل شملت تعطيل منظومات إنذار، والتلاعب بالبث التلفزيوني، وإرسال رسائل ذعر جماعية، في إطار حرب نفسية هدفت إلى إنهاك المجتمع وضرب الثقة بالمؤسسة الحاكمة.
على المستوى العسكري، شكّل الاستخدام العملياتي للصواريخ الفرط صوتية تحولًا نوعيًا في ميزان الردع. فقد أثبتت هذه الصواريخ قدرتها على اختراق منظومات دفاع متقدمة، والوصول إلى عمق الجغرافيا الإسرائيلية خلال دقائق، ما أسقط عمليًا مقولة "السماء المغلقة". في المقابل، فرضت إيران معادلة استنزاف اقتصادي غير متكافئة، حيث اضطُر الكيان وحلفاؤه إلى استهلاك مخزونات ضخمة من الصواريخ الاعتراضية الباهظة الكلفة، في مواجهة صواريخ ومسيرات أقل تكلفة.
بالتوازي، أُديرت المعركة ضمن إطار حرب هجينة متزامنة، جمعت بين القصف الصاروخي، والهجمات السيبرانية، والضغط عبر الجبهات المساندة في البحر الأحمر والعراق، ما أدى إلى تشتيت الجهد العسكري الإسرائيلي، وتقييد قدرته على إدارة المواجهة بفعالية.
مع نهاية عام 2025، تبلور واقع استراتيجي جديد. لم تحقق إيران نصرًا تقليديًا بمفهوم احتلال الأرض، لكنها نجحت في إسقاط وهم الحصانة الإسرائيلية، وتآكل الردع، وتحويل الكيان إلى عبء أمني يعتمد على الحماية الأميركية المباشرة. الأهم من ذلك أن طهران فرضت نموذجًا جديدًا للصراع، يقوم على التراكم، والاستخبارات البشرية، والحرب السيبرانية، بما يجعل أي حرب شاملة مستقبلية عالية الكلفة إلى حد يقترب من الانتحار السياسي والعسكري.
الكاتب: غرفة التحرير