من الصعب فصل ما يجري في فنزويلا عن السياق الدولي الأوسع. الرسالة الأميركية لا تبدو موجّهة إلى كاراكاس وحدها، بل إلى كل دولة تفكّر في إدارة مواردها بعيدًا عن الهيمنة الغربية، وبناء تحالفات موازية، أو تحدّي «النظام الدولي القائم» كما تريده واشنطن.
بالنسبة لإيران، الرسالة واضحة: الضغوط ليست مرتبطة بالبرنامج النووي فقط، بل بفكرة الاستقلال السياسي نفسها، وما جرى من عقوبات وحصار على فنزويلا ربما لا يقارن بحجم وعدد العقوبات الاميركية على إيران منذ انطلاق الثورة الاسلامية في إيران عام ١٩٧٩ وحتى يومنا هذا وتحت ذرائع وحجج مختلفة.
الرئيس الاميركي (ترامب) شبّه في المؤتمر الصحفي بعد الهجوم على فنزويلا واعتقال رئيسها مادورو باغتيال الحاج قاسم سليماني وقال إنه "على أمثال مادورو أن يعلموا أن ما حدث له قد يحدث لهم"، وأشار إلى أن عملية كاراكاس "رسالة لكل من يهددنا".
لا شك ان إيران تلقت هذه الرسائل الاميركية، ولم تستبعد اي احتمال تقوم به الولايات المتحدة اتجاهها خاصة وان هجوم ال١٢يوما مازال حاضرا في ذهن المسؤولين الايرانيين جميعا وربما لم تستنفر إيران جهودها لما بعد حرب مثلما استنفرتها هذه المرة، حيث تحولت إيران الى ورشة عمل علمية وتقنية وعسكرية وغيرها لمواجهة اي طارئ.
صحيح ان هناك دولا تاريخ خلافها مع الولايات المتحدة اطول من تاريخ الخلاف مع إيران بعد الثورة الاسلامية، ولكن الفرق ان ايران حولت هذا الخلاف الى منطلق لتطوير تجربتها الاسلامية في المجال الفكري والحضاري والعلمي والتقني والعسكري والصحي والزراعي والصناعي ولم تقف مكتوفة الايدي متذرعة امام شعبها بالعقوبات الاميركية مثلما هو حال دول اخرى انعكست العقوبات الاميركية والغربية على جميع مناحي حياة شعبها وعزلتهم عن العالم.
لم تكتف إيران ايضا بانها تمترست داخل حدودها الجغرافية، بل صنعت عمقا استراتيجيا للثورة الاسلامية بالمنطقة تمدد على دول كثيرة وبات يشكل عقدة يصعب على اميركا واسرائيل حلها ومواجهتها، لما تمتلك من عقيدة راسخة ومباديء وقيم الثورة الاسلامية في مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين المحتلة.
لقد حولت ايران على مدى عمر الثورة الاسلامية ال٤٧ ثروات البلد الاقتصادية والبشرية والموقع الجغرافي والتاريخ الحضاري الى مصادر قوة لمواجهة الاستكبار العالمي فالشعب الايراني ينتج (٩٨٪) من حاجته للمنتجات الزراعية من ارضه ويصدر ملايين الاطنان ايضا، ويسد ٩٥٪ من حاجته من الادوية ويصدر الى خمسين دولة بالعالم، وحين دخولك للأسواق الايرانية تجد هناك اكتفاء ذاتيا لأغلب البضاعة التي يحتاجها المواطن الايراني وبإنتاج متطور.
ان الشخصية الايرانية تدرك انها تنتمي الى حضارة عريقة تمتد لألاف السنين ومازالت شواهدها حاضرة في الوقت الذي لم تتشكل الولايات المتحدة الا قبل خمسمائة عام عبر مجاميع مهاجرة من دول الادنى والاقصى من الارض لا يربطهم رابط تاريخي ولا عقائدي ولا قومي الخ..
لا اعتقد ان الأميركيين يجرؤون على القيام باي عمل عسكري او اجرامي مثل الذي قاموا به في فنزويلا بل يومين والسبب ان الأميركيين جربوا حظهم من قبل في عملية طبس عام ١٩٨٠ ولم يمض على الثورة الاسلامية يومها سوى اشهر قلائل ردا على احتلال الطلبة الثوار الايرانيين وكر التجسس المتمثل بالسفارة الاميركية آنذاك، وكان مصير طائراتهم وجنودهم الهلاك وسط الصحراء (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
وجرّب الأميركيون ومعهم دول الغرب وعملاء المنطقة حرب الثمانية أعوام مع العراق ولم يجنوا منها شيئا، بل العكس خرجت إيران أكثر قوة وصلابة.
إيران رغم علاقاتها المتميزة مع الدول المناهضة لاميركا مثل روسيا والصين وغيرها لكنها تتفهم ان البلاد لا يدافع عنها سوى اهلها وانها منذ انطلاق الثورة الاسلامية عام ١٩٧٩ اعلنت عن شعارها لا شرقية لا غربية وتحملت وزر الصراع بين القطبين المتنافسين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحين انهار الاتحاد السوفيتي انهارت معه الدول التي ربطت وجودها به ،خاصة دول اوروبا الشرقية ودول اخرى في فريقيا وغيرها ومازالت تعيش ازمة الانهيار، فيما واجهت ايران التفرد الأميركي بكل صلابة واستطاعت ان تملأ الفراغ العقائدي الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي بالعقيدة الاسلامية وتحول الى عمق استراتيجي ومحاور مقاومة.
وبالقدر الذي تآكلت فيه الحضارة المادية للاتحاد السوفيتي والتي بشر بها الامام الخميني الراحل (رضوان الله عليه) في رسالته الى غورباتشوف بان الشيوعية ستتحول الى متحف التاريخ كذلك فان مجيء الرئيس ترامب اشارة الى بداية تآكل الحضارة الاميركية مثلما أكد الامام الخامنئي عام ٢٠٢٠ "انتخاب شخص بصفات السيد دونالد ترامب في أمريكا. هذا الانتخاب نفسه دليل على الأفول السياسي لأمريكا".
قد تبدو الصدمة كبيرة لدى الاوساط الدولية عامةً، بما حدث لفنزويلا من هجوم اميركي واعتقال رئيس الدولة واقتياده مكبلا الى خارج بلاده وإحالته للمحاكم الاميركية، لكن بالنسبة لدولة بحجم إيران، أمر متوقع من دولة امتهنت البلطجة منذ تأسيسها على دماء شعب الهنود الحمر وإبادتهم وكيف واصلت عدوانها على اغلب بقاع الارض وقتلت الابرياء ونهبت الثروات..
المسؤولون الايرانيون ردوا على تهديدات الرئيس الاميركي ترامب حتى قبل حادثة فنزويلا سواء عبر الامام القائد الخامنئي او بقية قادة البلاد حيث قال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، علاء الدين بروجردي، إن "إيران ليست بلدًا يمكن لترامب تهديده"، وتابع بروجردي: "في حال تكرار أي خطأ، سنستهدف جميع المصالح الأميركية في المنطقة".
ونعتقد ان الولايات المتحدة تعلم جيدا خلال كل صداماتها مع إيران بالرد يأتي فوريا ففي عام 2011، تم إنزال طائرة آر كيو-170 الأمريكية سالمة بعد أن تجاوزت الحدود الإيرانية وتم اسقاط اخرى تجاوزت الحدود، وقصفت القاعدة الاميركية بعين الاسد بعد عملية اغتيال الشهيد الحاج قاسم وابو مهدي المهندس، وكيف ردت بقصف صاروخي لقاعدة العديد بقطر بعد استهداف منشآتها النووية..
ليس فقط ردة الفعل الايرانية على اي تصعيد هجومي ضدها قد يشابه او لا يشابه ما جرى في فنزويلا، بل الواقع الموضوعي ايضا يجعل اميركا تتهيب من خطر المواجهة مع إيران لان أي استهداف مباشر لإيران قد يؤدي إلى تصعيد كبير في المنطقة، وهو أمر تحاول واشنطن عادة تجنبه. لذلك تميل الولايات المتحدة مع إيران إلى العقوبات والضغط السياسي أكثر من المواجهة العسكرية المباشر، وهذا الامر تتفهمه دول المنطقة ايضاً وتحذر منه.
الأوراق التي بين يدينا تؤكد ان ادارة ترامب لا ترغب بالتدخلات العسكرية للدول الاخرى فقد هاجم الرئيس الأميركي ترامب بشدة سلفه الرئيس جو بايدن، خلال اجتماعه ب 800 من كبار القادة العسكريين الأميركيين في قاعدة كوانتيكو العسكرية بولاية فيرجينيا في الشهر العاشر من عام ٢٠٢٥ على خلفية الانسحاب الأميركي من أفغانستان، واصفا إياه كان ذلك اليوم فظيعا، فظيعا للغاية وقال "لن نسمح بحدوث مثل تلك التفاهات مرة أخرى"، وهذا ما كرره وزير الدفاع هيغست بنفس الاجتماع قائلا "أن إرث الحرب في العراق وأفغانستان أثقل كاهل المؤسسة العسكرية الأميركية ولابد من تصحيح المسار".
نعتقد ان الاجراء الاميركي ضد فنزويلا مغامرة ليس من السهل تجاوزها، وستنعكس تداعياتها على السياسة الاميركية برمتها سواء مع الاصدقاء او الأعداء، وهذه المغامرة ستكلفها أكثر بكثير مما تطمح اليه من ثروات نفط وغيرها.