الثلاثاء 06 كانون الثاني , 2026 02:08

لماذا يُعدّ اليمن أداةً محورية في المخطط الإماراتي–الإسرائيلي؟

بن زايد ونتنياهو

يستنتج هذا المقال، الذي نشره موقع " Middle East Eye" وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني، أن ما وصفه بالأنظمة المارقة في أبوظبي وتل أبيب تعمل بتنسيقٍ وثيق لتفكيك النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحهما الخاصة. وأن اليمن بما يمثلّه من موقع جيوستراتيجي مهم، يعتبر المركز لهذا المخطط الإماراتي الإسرائيلي. وأشار المقال الى أن سذاجة السعودية حيال النوايا الإماراتية في اليمن كانت مفرطة، حيث استطاع محمد بن زايد أن يمتلك نفوذاً وسيطرةً على موانئ حيوية ومضيق باب المندب الاستراتيجي.

النص المترجم:

لطالما كان الخلاف السعودي–الإماراتي حول اليمن يغلي على نارٍ هادئة، غير أنّ التحالف الآخذ بالتبلور بين إسرائيل والإمارات – وسياساتهما الهادفة إلى إضعاف القوى التقليدية الكبرى في المنطقة – دفع الرياض، على خلاف طبيعتها، إلى تبنّي موقفٍ أكثر تشدداً.

قبل أكثر من عقد، وصف القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) جيمس ماتيس أبوظبي بأنها "إسبرطة الصغيرة"، في إشارة إلى قدرتها على لعب دورٍ يفوق حجمها. وقد جمعت الهواجس المشتركة مع تل أبيب – كإيران، والأحزاب الإسلامية السياسية، والاعتماد على الولايات المتحدة كحامٍ – هذين المُربكين الإقليميين، فتُوّج ذلك بتوقيع "اتفاقات أبراهام" عام 2020، برعاية إدارة دونالد ترامب الأولى.

بعد وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عام 2004، اتجهت الإمارات في مسارٍ معاكس تماماً لنهجه القومي العربي القائم على التوافق. وقد صاغ هذا المسار ابنه محمد بن زايد، الذي كان "العقل المدبّر" في عهد خليفة بن زايد، قبل أن يصبح الحاكم الفعلي منذ 2014، ثم يتسلّم الرئاسة رسمياً عام 2022.

العسكرة التي أشار إليها ماتيس لم تكن على شاكلة البطش الحديدي الإسرائيلي، بل تمثّلت في التدخل عبر وكلاء تُشترى ولاءاتهم بثروة نفطية هائلة، من دون اكتراثٍ بالرأي العام. بل إن سياسة جعل المواطنين الإماراتيين لا يشكّلون سوى نحو 10 في المئة من سكان البلاد الذين يزيد عددهم على 11 مليون نسمة، جعلت أي معارضة داخلية شبه معدومة.

غير أنّ انتفاضات "الربيع العربي" أثارت قلق العائلة الحاكمة، إذ ارتفعت – حتى داخل الشريحة الوطنية المُهمّشة – أصواتٌ تطالب بدورٍ في الحكم. وقد جرى تحميل الإسلاميين المرتبطين بجماعة الإخوان المسلمين، الموجودين في الإدارة منذ الاستقلال عن بريطانيا، مسؤولية "إثارة الشغب" وبثّ أفكارٍ تتجاوز "مواقعهم".

لاحقاً، تعاونت الإمارات مع السعودية لمواجهة القوى الإسلامية التي حققت مكاسب انتخابية في أنحاء المنطقة، بدعمٍ متنوّع من تركيا وقطر – من مصر إلى ليبيا، وصولاً إلى تركيا نفسها، إذا ما أُخذت الشكوك التركية حول دورٍ إماراتي في محاولة انقلاب 2016 الفاشلة على محمل الجد.

وبالنسبة للإمارات، كما لإسرائيل، مثّلت حرب غزة فرصةً لإنهاء نفوذ حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين. وكما قال المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش في أكتوبر/تشرين الأول: "لم تعد الرؤى المتشددة بشأن القضية الفلسطينية صالحة"، رغم أنّ حماس وفصائل فلسطينية رئيسية أخرى توافق على حلّ الدولتين، ما يثير تساؤلاتٍ حول ماهية "التنازلات" المطلوبة.

التدخل العسكري

في اليمن، كانت السعودية هي من دعت الإمارات إلى الشراكة في تدخلها العسكري لإخراج حركة أنصار الله (الحوثيين) من صنعاء، بعدما أطاحت الحركة بالحكومة المدعومة من مجلس التعاون الخليجي عام 2014. وإزاء مخاوفها من تحوّل الحوثيين إلى خصمٍ على شاكلة "حزب الله" بدعمٍ إيراني على حدودها، واصلت الرياض دعم حزب "الإصلاح" الإسلامي.

لم يكن أمام الرياض خيارٌ كبير سوى اللجوء إلى أبوظبي، بعدما امتنعت مصر وباكستان ودول أخرى عن إرسال قواتٍ إلى حربٍ توقّعت أن تتحوّل إلى مستنقع. وافقت أبوظبي، لكن سذاجة السعودية حيال النوايا الإماراتية كانت مفرطة.

سرعان ما تجلّت مصالح الإمارات، لا بوصفها مشروعاً لمواجهة الحوثيين بقدر ما هي سعيٌ لإقامة مجال نفوذٍ خاص بها في الجنوب، أساسه الوكلاء المحليون. فبدعمٍ إماراتي، أُنشئت "ألوية العمالقة" عام 2015، و"المجلس الانتقالي الجنوبي" عام 2017، ثم "قوات المقاومة الوطنية" بعد ذلك بقليل. وقد منحت هذه الترتيبات أبوظبي نفوذاً وسيطرةً على موانئ حيوية ومضيق باب المندب الاستراتيجي.

استعانت الإمارات والسعودية معاً بمرتزقة من "قوات الدعم السريع" السودانية، غير أنّ أبوظبي تعمّقت في هذه العلاقة إلى حدّ اتهامها اليوم بدعم تلك القوات ضد الحكومة السودانية، رغم الفظائع التي ارتكبها مقاتلوها.

كما تعاونت الإمارات مع إسرائيل في اليمن، عبر إقامة قواعد عسكرية وأنظمة رادار وبنى تحتية للرصد والمراقبة على جزر سقطرى وبريم وعبد الكوري وزُقَر، وهي وقائع موثّقة جيداً وإن نادراً ما تُناقَش.

ويأتي اعتراف إسرائيل الأخير بـ"أرض الصومال" نتيجةً طبيعية لجهود حليفها الإماراتي في تعزيز الإقليم المنفصل عن الصومال، عبر شقّ الطرق وبناء ميناء بربرة وتحديث مطار هرجيسا وإنشاء قاعدة عسكرية، مع الإبقاء في الوقت ذاته على موقفٍ رسمي داعمٍ لمقديشو.

تركيا، الداعم الإقليمي الأبرز للجماعات الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين، تمتلك بدورها حضوراً عسكرياً وتجارياً في القرن الأفريقي، مع استثماراتٍ كبيرة في الصومال والسودان وجيبوتي وإثيوبيا.

وعلى نحوٍ مشابه، أنشأت أبوظبي "تابعية" لها في جنوب اليمن، ضمن إطار دعمٍ شكلي للجمهورية اليمنية وحكومتها المنفية. وقد أدّى دعم الإمارات لثلاثة أعضاء على الأقل في "مجلس القيادة الرئاسي" (عيدروس الزبيدي، وعبد الرحمن المحرّمي، وفرج البحسني) – اثنان منهم من انفصاليي "الانتقالي" – إلى شلّ المجلس فعلياً.

السعودية تُفلت زمام المبادرة

يدرك الزبيدي، قائد "المجلس الانتقالي الجنوبي"، النصّ جيداً: إذا أراد انتزاع استقلالٍ مستقبلي، فسيحتاج إلى دعم الإمارات وإسرائيل لتجاوز الشكوك الأميركية حيال تقسيم بلدٍ يُنظر إليه أصلاً على أنه شديد التعقيد ولا يستحق مزيداً من الجهد.

خلال العام الماضي، روّج الزبيدي لفكرة أنّ في اليمن قوتين قائمتين فقط: الحوثيون في الشمال و"الانتقالي" في الجنوب. والاعتراف بالجنوب، وفق هذا المنطق، طريقٌ سريع لفرض الاستقرار وفق الرؤية الغربية، مع زيادة عزل الحوثيين المدعومين من إيران، والذين تخشى واشنطن تقاربهم المتزايد مع الصين وروسيا.

على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، كان الزبيدي صريحاً في القول إن "الانتقالي" يخطط لانضمام دولته المستقبلية إلى "اتفاقات أبراهام".

كيف سمحت السعودية، القوة التقليدية في اليمن والداعم السياسي والمالي الرئيسي لحكومةٍ تضم "الانتقالي"، بانزلاق الوضع إلى هذا الحدّ خارج سيطرتها؟ سؤالٌ يُحيّر حلفاءها اليمنيين ونظراءها الإقليميين على حدّ سواء.

السرّ شبه المكشوف في الصراع اليمني هو أنّ الرياض، منذ هدنة 2022 برعاية أممية، باتت ترى السلام مع الحوثيين أفضل السبل لحماية مصالحها، ولا سيما مع إطلاق مشاريع عملاقة بقيمة 1.25 تريليون دولار خلال العقد المقبل، في إطار تحوّل المملكة من العزلة المحافظة إلى سياحةٍ جماهيرية.

وقد أتاح وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر/تشرين الأول للرياض استئناف محادثات تطبيع العلاقات مع الحوثيين بهدوء، بعدما جُمّدت إثر هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وكان عرقلة هذه المحادثات هدفاً أساسياً للمجلس الانتقالي والإمارات، لأن ما كان يُفترض أن يلي أي سلامٍ سعودي–حوثي هو حوارٌ حكومي–حوثي حول "يمنٍ جديد" وتقاسم الإيرادات، بما فيها عائدات النفط والغاز من الحقول الجنوبية.

وبينما كان "الانتقالي" يترقّب فرصته للسيطرة العسكرية على حضرموت والمهرة، تحرّك الآن خشية أن تكون السعودية وسلطنة عُمان تدعمان نزعةً انفصالية حضرمية ناشئة قد تُفشل مشروع الجنوب. كما عزّزت السعودية وجودها في المهرة عبر ميليشيا "درع الوطن" التابعة لها خلال العام الماضي.

أما الإمارات، فيبدو أنّ الهدف الأوسع هو العمل الوثيق مع إسرائيل لإضعاف القوى الكبرى – مثل السعودية وتركيا وإيران – وتفكيك النظام الإقليمي، باعتبار ذلك الوسيلة الأمثل لبقاء كيانين سياسيين مارقين على حالهما الراهن ومقاومة الضغوط الداعية إلى تغييره.


الكاتب: غرفة التحرير




روزنامة المحور