الثلاثاء 06 كانون الثاني , 2026 04:14

التغلغل الاستخباري الإسرائيلي في الدول العربية: البنية والأدوات والتحولات الاستراتيجية

الاستخبارات الإسرائيلية

لم يعد التغلغل الاستخباري الإسرائيلي في الدول العربية مسألة عابرة أو نشاطًا سريًا محدود الأثر، بل بات ظاهرة بنيوية متكاملة، تتقاطع فيها الأبعاد الأمنية مع التحولات السياسية والتكنولوجية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. فإسرائيل، التي قامت منذ نشأتها على مركزية العمل الاستخباري بوصفه ركيزة وجودية، نجحت في تطوير منظومة اختراق متعددة الأدوات، استطاعت من خلالها النفاذ إلى عمق المجتمعات العربية، مستفيدة من هشاشة البنى الداخلية، واتساع الفضاء الرقمي، وتشابك المصالح الاقتصادية، ومسارات التطبيع العلنية والضمنية.

في هذا السياق، تتناول الدراسة أدناه للكاتب أ.د وليد عبد الحي، ظاهرة التغلغل الاستخباري الإسرائيلي في الدول العربية بوصفها إحدى أخطر التحديات الأمنية المركبة التي تواجه العالم العربي في المرحلة الراهنة، وتذهب إلى أنّ هذا التغلغل لم يعد نشاطًا ظرفيًا أو تكتيكيًا، بل تحوّل إلى بنية استراتيجية متكاملة تستند إلى خبرة تاريخية طويلة، وتستثمر التحولات السياسية والتكنولوجية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد موجة التطبيع واتساع الاعتماد على التقنيات الرقمية.

تنطلق الدراسة من مقدمة تؤكد أن النجاحات الاستخبارية الإسرائيلية، سواء قبل قيام الكيان الصهيوني أو بعده، لم تكن استثناءً عابرًا، بل نتاج رؤية مؤسسية واضحة تبلورت منذ أربعينيات القرن الماضي، وجرى تطويرها باستمرار، وصولًا إلى مرحلة ما بعد عملية طوفان الأقصى، التي كشفت عن عمق الاختراق الإسرائيلي لمحور المقاومة ولعدد من الدول العربية، سواء عبر الاغتيالات، أو اختراق البنى الأمنية، أو توظيف الفضاء الرقمي في الحرب النفسية.

وتعرض الدراسة في فصلها الأول المنظور الاستخباري الصهيوني، موضحة أن الموساد بُني على خمس ركائز أساسية، أبرزها اعتبار العالم العربي التهديد المركزي، والسعي لاختراق بنيته الداخلية، والتعاون الوثيق مع أجهزة الاستخبارات الغربية، واعتماد البراغماتية بدل الأيديولوجيا، إضافة إلى توظيف الأقليات والبيئات الهشة داخل الدول العربية كمدخل للاختراق.

ثم تنتقل الدراسة إلى تفصيل بنية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، مبيّنة تكامل أدوار الموساد، والشاباك، والاستخبارات العسكرية (أمان)، وأقسام البحث الدبلوماسي، في منظومة واحدة تتوزع بين العمل الخارجي، والأمن الداخلي، والرصد العسكري، والدعم السياسي. وتؤكد أن هذه الأجهزة تعتمد على مزيج متطور من الاستخبارات البشرية (HUMINT) والاستخبارات التقنية (SIGINT)، بما يشمل التجنيد المباشر، والابتزاز، وتوظيف الجاليات الأجنبية، إلى جانب الاعتماد الكثيف على الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والبرمجيات التجسسية.

وتولي الدراسة اهتمامًا خاصًا لوحدة 8200، باعتبارها الذراع الأخطر في مجال الاستخبارات الإشارية والحرب السيبرانية، حيث توضّح دورها في اعتراض الاتصالات، وتطوير أدوات الاختراق، وبناء نماذج ذكاء اصطناعي تُستخدم في "مصانع الأهداف"، فضلًا عن تحويل الأراضي الفلسطينية، ولا سيما الضفة الغربية وغزة، إلى مختبر حي لتجريب تقنيات المراقبة والسيطرة، قبل تسويقها عالميًا.

وفي محور آخر، تناقش الدراسة توظيف علم النفس والحرب الناعمة في العمل الاستخباري، سواء عبر استغلال الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، أو عبر عمليات التضليل، وبناء الحسابات الوهمية، والتأثير على الإدراك الجمعي، وصولًا إلى استحضار محاولات تاريخية لاستخدام ما يُعرف بالتجسس النفسي، وإن كانت الدراسة تتعامل معها بحذر علمي.

وتستعرض الدراسة بعد ذلك مؤشرات ميدانية ملموسة للاختراق الإسرائيلي، موثقة اكتشاف مئات خلايا التجسس في الدول العربية بين عامي 2000 و2025، مع الإشارة إلى أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للاختراق، بل تمثل الحد الأدنى فقط، ما يدل على هشاشة الأمن العربي البنيوي أمام الاختراق الخارجي.

وفي القسم المخصص لدول الخليج، تبيّن الدراسة أن هذه الدول باتت تشكّل بوابة مركزية للاختراق الإسرائيلي، نتيجة كثافة العمالة الأجنبية، وتشابك المصالح الاقتصادية، ووجود القواعد العسكرية الأجنبية، إضافة إلى مسار التطبيع الذي وفّر غطاءً علنيًا للتعاون الأمني والاستخباري. وتحدّد الدراسة أهداف الموساد في الخليج، وفي مقدمتها مراقبة إيران، وتتبع برامج التسليح الخليجية، وتعطيل تمويل الفصائل المعادية، والتأثير في قرارات التطبيع، وحماية المصالح والبعثات الإسرائيلية.

وتختم الدراسة باستشراف أساليب الاختراق المستقبلية، مرجحة تصاعد الاعتماد على العمالة الأجنبية، والشركات التكنولوجية، والغطاء التجاري والديبلوماسي، إلى جانب محاولات اختراق الأجهزة الأمنية الوطنية نفسها، بما يجعل المواجهة مع هذا التغلغل معركة طويلة الأمد، تتطلب وعيًا استراتيجيًا عربيًا، وإعادة بناء منظومات الأمن، لا الاكتفاء بالمعالجات الأمنية التقليدية.

خلاصة القول، تقدم الدراسة قراءة شاملة وعميقة للتغلغل الاستخباري الإسرائيلي، بوصفه ظاهرة بنيوية متعددة الأدوات والمستويات، وتدق ناقوس الخطر حيال استمرار التعامل العربي المجزأ معها، مؤكدة أن مواجهة هذا التحدي لا تنفصل عن استعادة السيادة، وبناء مناعة سياسية، واقتصادية، وتكنولوجية شاملة.

لتحميل الدراسة من هنا


المصدر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

الكاتب: أ. د. وليد عبد الحي




روزنامة المحور