الثلاثاء 06 كانون الثاني , 2026 04:15

مرض السلام: آفة الجيوش الكبرى ودروس المقاومة في معركة طوفان الأقصى

صاروخ فرط صوتي إيراني يصيب هدفاً حيوياً في تل أبيب

يحتاج البعض في لبنان وفي غيره من دول المنطقة، التعرّف على مرض أصاب ولا يزال يصيب العديد من الدول في الماضي والحاضر، وهناك دول امتلكت الجرأة للاعتراف بأنها عانت منه كالصين خلال العام 2018، وهو "مرض السلام"، الذي يمكن تعريفه بفقدان الدول للتجارب القتالية العسكرية، التي تمكّنها من خوض الحروب دفاعاً عن النفس بالحدّ الأدنى، فتكون عقائدها العسكرية أسيرة التنظير لا التجارب.

ولكيلا يفهم البعض الغرض من طرح هذا الموضوع، على أنه دعوة تشجيع لخوض الحروب. فإن الهدف الأساسي من هذا المقال، هو التفطّن الى هذه الآفة التي تصيب الدول وربما التنظيمات، وللتشديد على أهمية الاستفادة من أي صراع عسكري بشكل مباشر وغير مباشر، من أجل دراسة نقاط القوة والضعف وتجربة القدرات والتكتيكات والاستراتيجيات وتقييم كل ذلك، ومن ثم تطوير العقيدة والهيكلية العسكرية.

مصطلح "مرض السلام" الصيني

أول من استخدم مصطلح "مرض السلام"، كان الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، شي جين بينغ، في آذار / مارس 2018، عندما أعلن بأن "مرض السلام" يُمثل تهديدًا لبلاده. وبالنسبة للخبراء فإن هذا المرض هو عبارة عن مشكلةٍ تُعاني منها الصين عمومًا وجيش التحرير الشعبي خصوصًا، حيث يُضعف نقص الخبرة القتالية الدولة. فهو مفهوم استراتيجي–عسكري يشير إلى خلل عميق يصيب الدول والجيوش التي تعيش فترات سلام طويلة من دون خوض حروب فعلية.

فبالرغم مما تمتلك القوات المسلحة الصينية اليوم من قدرات عسكرية فائقة التطور التنافس مع ما تمتلكه الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن آخر صراع كبير خاضه جيش التحرير الشعبي الصيني كان عام 1979، والذي منيت فيه الصين أصلاً بهزيمة. وبالتالي بعد أكثر من 4 عقود، فإن الجيش الصيني حالياً يفتقر إلى أفراد وقادة ذوي خبرة قتالية مباشرة.

فببساطة يمكن للصين ومخططيها العسكريين، وضع أعظم خطط للمواجهة المحتملة مع أمريكا، لكن عندما يحين وقت اختبارها، قد يجدوا بأنها لا تُجدي نفعًا على الفور تقريباً، وأن عليهم تعديلها. لذا، يجب أن تكون العقيدة العسكرية وثيقة حية، قابلة للتعديل وفقًا للتجربة العملية.

ويضيف الخبراء بأن هذا المرض، يؤدي الى حالة من التراخي الذهني والعملي تصيب المؤسسة العسكرية نتيجة غياب التجربة القتالية الواقعية، ما يؤدي بشكل كبير إلى حالة ضعف في الجاهزية للحرب الحقيقية رغم التقدّم التكنولوجي والتنظيمي. أي أن الجيش قد يبدو قوياً على الورق، لكنه غير مُختبَر تحت النار. وبالتالي يعتبر استراتيجيو الصين أن السلام الطويل قد يكون أخطر من الحرب القصيرة.

ليست الصين وحدها

في شباط / فبراير 1943، مُنيت القوات الأمريكية بهزيمة مُذلة في أول معركة كبرى لها ضد القوات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. في ممر القصرين بتونس، تجلّت قلة خبرتهم في عدم انضباطهم وضعف معنوياتهم، وانتشارهم المُشتت الذي جعلهم عُرضة للخطر، ونهجهم الجامد وغير المرن في القيادة والسيطرة. وهذا ما كّلف أمريكا ثمن قلة خبرتها بأرواح نحو 6500 جندي.

محور المقاومة سيستفيد كثيراً من تجربة طوفان الأقصى

في ضوء ما تقدّم، يصبح الحديث عن "مرض السلام" أكثر من مجرد توصيفٍ نظري لحالةٍ عسكرية، بل مدخلاً ضرورياً لفهم التحولات الجارية في موازين القوة الإقليمية. وإذا كانت دول كبرى كالصين وأمريكا، قد دفعت أثماناً باهظة نتيجة غياب الخبرة القتالية المباشرة، فإن محور المقاومة، على النقيض من ذلك، خاض خلال العامين الماضيين واحدة من أعقد وأقسى التجارب العسكرية في تاريخه الحديث، عبر معركة "طوفان الأقصى" وتداعياتها الممتدة على أكثر من ساحة وجبهة.

هذه التجربة لم تكن مواجهة تقليدية محدودة، بل صراعاً متعدد المستويات، اختُبرت فيه العقائد العسكرية، وأنماط القيادة والسيطرة، والتكامل بين الجبهات، والقدرة على إدارة النيران، والصمود اللوجستي، والحرب النفسية والإعلامية، فضلاً عن مواجهة أحدث ما تحتويه الترسانة الغربية من قدرات وتقنيات وأسلحة، والتي زُوّد بها الكيان المؤقت.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذه المعركة لا تكمن فقط في نتائجها الميدانية المباشرة، بل في الرصيد التراكمي من الدروس والخبرات التي راكمها محور المقاومة على صعد التخطيط والإعداد والتجهيز العسكري، أي من قطاع غزة ولبنان مروراً بالعراق واليمن ووصولاً الى الجمهورية الإسلامية في إيران.

وعلى مستوى التخطيط، أثبتت الوقائع أن العقيدة العسكرية لمكونات محور المقاومة ليست جامدة، بل مرنة وقابلة للتكيّف السريع مع المتغيرات، وهو ما يُعدّ نقيضاً مباشراً لمرض السلام. وعلى مستوى الإعداد، جرى اختبار الكوادر الميدانية والقيادية في ظروف ضغط غير مسبوقة، ما أفرز جيلاً من القادة والمقاتلين ذوي خبرة حقيقية. أما على مستوى التجهيز، فقد كُشفت نقاط القوة والقصور في الوسائل والتقنيات والأسلحة، بما يتيح تطويرها أو تعويضها ببدائل أكثر فاعلية في أي مواجهة مقبلة.

وعليه، فإن الخلاصة الأهم هي أن محور المقاومة خرج من معركة طوفان الأقصى أكثر خبرةً وصلابة، وسيبني على نتائجها حتماً، من أجل المراحل الأخرى من الصراع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي. وتبقى العقيدة العسكرية الحيّة، القائمة على التجربة لا الوهم، هي الضمانة الأولى لأي قوة تسعى للدفاع عن نفسها في عالمٍ لا يحترم إلا من يملك القدرة والخبرة معاً.


الكاتب:

علي نور الدين

-كاتب في موقع الخنادق.

- بكالوريوس علوم سياسية.

 




روزنامة المحور