الثلاثاء 06 كانون الثاني , 2026 05:03

باكستان والتيار المقاوم: بين التحوّلات الإقليمية وغياب البناء المؤسسي

علماء دين شيعة في باكستان

ليست باكستان، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الديمغرافي والعسكري، بمعزل عمّا يجري حولها من تحوّلات كبرى في الإقليم والعالم الإسلامي. فالتغيّرات المتسارعة في الشرق الأوسط، وصعود محور المقاومة كفاعل إقليمي مؤثّر، وتبدّل خرائط النفوذ والتحالفات، كلّها عوامل لا يمكن لبلد بحجم باكستان أن يبقى خارج تأثيرها، لا سياسيًا ولا فكريًا ولا اجتماعيًا.

ومع ذلك، يلاحظ المتابع بقلق أنّ التيار الإسلامي المقاوم في باكستان، ولا سيما في الوسط الشيعي، لم يواكب هذه التحوّلات بمستوى التحدّي القائم. فبينما أعادت حركات المقاومة في أكثر من ساحة بناء نظريتها، وطوّرت أدواتها، وراجعت خطابها، ما زال المشهد الباكستاني يعاني من الاجترار والتكرار؛ تكرار في اللغة، في الشعارات، في الأساليب، بل وحتى في قراءة الواقع نفسه.

المشكلة هنا لا تكمن في ضعف الإخلاص أو قلّة التضحيات، فالجمهور الشيعي في باكستان جمهور صادق، قدّم الكثير، ولا يزال يدفع أثمانًا أمنية واجتماعية باهظة. إنّما الإشكال الأعمق يتمثّل في غياب إعادة بناء نظرية متكاملة للعمل الإسلامي المقاوم، نظرية تنطلق من خصوصيات باكستان لا من إسقاط تجارب الآخرين عليها إسقاطًا آليًا. لقد تغيّر العالم من حولنا: تغيّرت طبيعة الصراع، وتبدّل شكل الدولة، وتعقّد المشهد الاجتماعي، وتحوّل الإعلام إلى ساحة صراع قائمة بذاتها، ومع ذلك ما زال الخطاب المقاوم في باكستان يُدار – في كثير من الأحيان – بعقلية مرحلة سابقة.

وفي قلب هذا الجمود، تبرز مسألة محورية لا يمكن تجاوزها: دور العلماء، وطبيعة حضورهم، وغياب الإطار المؤسسي الجامع. فالتجارب الناجحة في ساحات أخرى تُظهر أنّ المقاومة لا تزدهر ولا تستمرّ بفاعلية ما لم تستند إلى قيادة علمائية واعية، تعمل ضمن مؤسسات لا أفراد، وضمن رؤية لا ردود أفعال. إلا أنّ الواقع الباكستاني يشهد – مع استثناءات محدودة – إمّا انكفاءً علمائيًا إلى الخطاب الوعظي العام، بعيدًا عن القضايا الكبرى، أو تحرّكًا فرديًا معزولًا، صادق النيّة لكنه عاجز عن إنتاج أثر بنيوي طويل الأمد.

إنّ غياب العمل المؤسسي العلمائي جعل الخطاب المقاوم غير متراكم، وغير قابل للتطوير، ومعرّضًا للتوظيف أو الاستنزاف. فالعمل الفردي، مهما بلغ من إخلاص، يبقى هشًّا أمام تعقيدات الدولة والمجتمع، بينما يتيح العمل المؤسسي إنتاج رؤية جماعية، وضبط الخطاب الديني، وموازنة الحماسة بالمسؤولية، وربط المقاومة بسياقها الوطني لا عزلها عنه.

ومن هنا، فإنّ إعادة بناء نظرية العمل الإسلامي المقاوم في باكستان لا يمكن أن تتحقّق دون إعادة تعريف دور العلماء: لا بوصفهم خطباء تعبئة ظرفية، بل بصفتهم صنّاع وعي، ومهندسي خطاب، وحماة بوصلة أخلاقية وسياسية. كما لا يمكن أن تتمّ دون الانتقال من منطق المرجعية الفردية أو الزعامة الرمزية إلى منطق الشورى، والتشاور، والمؤسسة.

إنّ العالم الذي يتحرّك ضمن مؤسسة ويتحمّل مسؤولية جماعية، يكون أقدر على مخاطبة الدولة، وطمأنة المجتمع، والانفتاح على بقية المذاهب والقوى الوطنية، من العالم الذي يُترك وحيدًا في مواجهة الاستقطاب والضغط. ولهذا، فإنّ أحد أهم تحديات المرحلة المقبلة في باكستان يتمثّل في بناء أطر علمائية مؤسسية هادئة، واعية، وغير صدامية، قادرة على تجديد الخطاب المقاوم، وربطه بقضايا الأمة، دون التفريط بخصوصيات المجتمع الباكستاني أو حساسياته المذهبية.

إنّ المقاومة، في جوهرها، ليست بندقية ولا شعارًا تعبويًا فحسب، بل مشروع وعي وبناء. وحين تنفصل عن التفكير العميق، وعن القراءة الواقعية للمجتمع والدولة، تتحوّل تدريجيًا إلى طقس مكرر، لا إلى قوّة تغيير. أمّا حين تُدار بعقل علمائي مؤسسي، فإنّها تتحوّل إلى عنصر استقرار وقوة، لا عبئًا أو مصدر قلق.

إنّ باكستان تمتلك كل المقوّمات التي تؤهّلها لتكون جزءًا فاعلًا في معادلة الوعي والمقاومة في العالم الإسلامي، غير أنّ ذلك لن يتحقّق ما لم يُعاد التفكير الجاد في سؤال: كيف نقاوم، ولماذا، وبأي أدوات، ولأي أفق؟ فالمقاومة التي لا تتجدّد في فكرها، تخاطر بأن تبقى حاضرة في الذاكرة… وغائبة عن المستقبل.


مرفقات


المصدر: كاتب وباحث باكستاني

الكاتب: هادي حسين ناصري




روزنامة المحور