الأربعاء 07 كانون الثاني , 2026 02:55

قناة بن غوريون: حين يُستخدم الاقتصاد لإعادة هندسة الشرق الأوسط

قناة بن غوريون

لم تعد الصراعات الكبرى في العالم تُخاض عبر الجيوش وحدها، بل عبر الممرات، والخطوط، ونقاط العبور التي تتحكّم بإيقاع الاقتصاد العالمي. فحيثما تمرّ السفن، تمرّ السياسة، وحيث تُرسَم طرق التجارة، تُعاد صياغة موازين القوة. من هنا، لا يمكن قراءة ما يجري في شرق المتوسط وغرب آسيا بوصفه أزمات متفرقة أو أحداثًا طارئة، بل باعتباره فصلًا من سباق محموم لإعادة هندسة طرق الإمداد العالمية، في لحظة تاريخية يتراجع فيها الاطمئنان إلى المسارات التقليدية، وتتنامى شهية القوى الكبرى لامتلاك بدائل أكثر أمنًا، وأكثر خضوعًا، وأقل قابلية للابتزاز.

في قلب هذا السباق، تعود مشاريع القنوات البديلة إلى الواجهة، لا باعتبارها حلولًا اقتصادية بريئة، بل كأدوات استراتيجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على نقاط الاختناق التاريخية، وفي مقدّمها قناة السويس، بما تمثّله من ثقل سيادي وسياسي لدولة بحجم مصر. وبينما يُسوَّق لبعض هذه المشاريع تحت عناوين التكامل الإقليمي والاستقرار، تكشف القراءة المتأنية أنها تحمل في جوهرها محاولات منظمة لإعادة توزيع النفوذ، وفرض وقائع جديدة على دول المنطقة، وصولًا إلى إعادة رسم خرائط العبور البحري والتجاري… عبر إنشاء قناة بديلة عن قناة السويس.

من هذه الزاوية تحديدًا، لا يمكن التعامل مع مشروع قناة بن غوريون بوصفه فكرة تقنية أو حلمًا اقتصاديًا مؤجلًا، بل كمكوّن محوري في رؤية أشمل لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. فإسرائيل، التي قامت منذ نشأتها على كسر الجغرافيا وإعادة توظيفها سياسيًا وأمنيًا، تدرك أن السيطرة على طرق العبور لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. قناة جديدة تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط تعني، في الحسابات الباردة، التحرر من أي ابتزاز جغرافي محتمل، وامتلاك شريان مستقل يربطها مباشرة بالأسواق الأوروبية والآسيوية، خارج أي معادلات سيادية عربية قائمة.

الولايات المتحدة، بدورها، لا تنظر إلى هذا المشروع بمعزل عن صراعها الاستراتيجي المفتوح مع الصين. فمبادرة “الحزام والطريق” لم تعد مجرد مشروع بنية تحتية، بل تحوّلت إلى أداة نفوذ عالمي تعيد تشكيل سلاسل الإمداد وتُهدد الموقع التقليدي لواشنطن في التحكم بمفاصل التجارة الدولية. من هنا، يصبح أي ممر بديل يمر عبر حلفاء مضمونين ضربة استباقية تهدف إلى تقليص الاعتماد على مسارات لا تخضع للنفوذ الأميركي الكامل. قناة بن غوريون، في هذا السياق، ليست مشروعًا إسرائيليًا صرفًا، بل حلقة في شبكة أوسع تضم الممر الهندي–الشرق أوسطي–الأوروبي، وتتكامل مع سباق الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، ومسارات الغاز.

لكن ما لا يُقال في الخطاب العلني، هو أن هذه المشاريع لا يمكن أن ترى النور دون بيئة سياسية وأمنية “نظيفة” من العوائق. وهنا تبرز غزة، لا كملف إنساني فقط، بل كعقدة جغرافية وسياسية. موقع القطاع على المتوسط، وقربه من المسارات البحرية المحتملة، يجعله عنصر إزعاج بنيوي في أي مخطط طويل الأمد. لذلك، يصعب فصل ما جرى ويجري في غزة عن سياق أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي بما يتلاءم مع مشاريع لم يُعلن عنها رسميًا، لكنها حاضرة بقوة في غرف التخطيط الاستراتيجي.

أما مصر، فهي الطرف الأكثر حساسية في هذه المعادلة المعقّدة. فقناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي أو مصدر دخل قومي، بل رمز سيادة وورقة قوة استراتيجية راكمتها القاهرة عبر عقود. أي مشروع بديل، حتى لو لم يُطرح كتهديد مباشر، يضع مصر أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحافظ على موقعها المركزي دون الانخراط في ترتيبات قد تنتقص من دورها؟ وكيف تواجه ضغوطًا اقتصادية وسياسية قد تُستخدم لدفعها نحو “تفاهمات” يُعاد تسويقها تحت مسمى الشراكات الإقليمية؟

في هذا الإطار، لا يبدو التطبيع خيارًا دبلوماسيًا معزولًا، بل أداة تمهيدية بامتياز. فحين تُعاد صياغة العلاقات في المنطقة تحت عناوين السلام والاستقرار، يصبح تمرير المشاريع الكبرى أكثر سلاسة. تتحوّل القضايا السيادية إلى ملفات تقنية، ويُستبدل منطق الصراع بلغة الاستثمار، لا بوصفه إنهاءً للصراع، بل إعادة تدوير له بأدوات جديدة. هذه ليست قراءة مؤدلجة، بل توصيف لآلية عمل السياسة الدولية حين تتقاطع المصالح الكبرى وتُعاد هندسة الخرائط بهدوء.

الأخطر أن الحديث عن قناة بن غوريون يتقاطع مع مشاريع أخرى لا تقل دلالة وخطورة: ممر داوود، خطوط الغاز في شرق المتوسط، الموانئ العائمة، ومحاولات إعادة تعريف دور بعض الدول العربية كـ“محطات عبور” بدل كونها دولًا ذات قرار مستقل. في هذه المنظومة الجديدة، لا مكان للفراغ، ولا مجال للحياد. إما أن تكون جزءًا من الخريطة الجديدة بشروطك، أو تتحول إلى هامش فيها بشروط الآخرين.

في الخلاصة، ما يُطرح اليوم تحت مسمى مشاريع اقتصادية هو في جوهره صراع مفتوح على النفوذ، وعلى من يملك مفاتيح العبور في عالم لم يعد يحتمل نقاط اختناق غير مضمونة. قناة بن غوريون ليست قدرًا محتومًا، لكنها مؤشر بالغ الخطورة على اتجاه الرياح. ومن لا يقرأ هذه الإشارات مبكرًا، سيجد نفسه أمام واقع جديد صيغ بهدوء، وبلا ضجيج… عبر إنشاء قناة بديلة عن قناة السويس.


الكاتب: خليل القاضي




روزنامة المحور