لا يمكن قراءة ما يجري في فنزويلا، أو في غزة، أو في مضيق تايوان، بوصفه سلسلة أزمات منفصلة تحكمها ظروف محلية متباينة. ما نشهده اليوم هو لحظة مفصلية في تاريخ النظام الدولي، لحظة انتقال من إدارة الهيمنة بالقانون والمؤسسات إلى إدارتها بالقوة العارية، حين تعجز الإمبراطورية عن ضبط العالم بالقواعد التي صاغتها بنفسها. في هذا السياق، تصبح فنزويلا أكثر من دولة متمرّدة في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة؛ تتحول إلى نقطة ارتكاز تكشف نمطًا عالميًا لإعادة إنتاج السيطرة، تتردد أصداؤه من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وشرق آسيا.
فنزويلا: النفط، الصين، وكسر مبدأ مونرو
منذ فوز نيكولاس مادورو في انتخابات 2013، ثم إعادة انتخابه في 2024، لم يكن الصراع حول "الديمقراطية" أو "نزاهة الانتخابات"، بل حول السيادة والموارد والاصطفاف الدولي. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وفي الوقت ذاته اختارت الخروج عن الطاعة الأميركية، والانفتاح على الصين وروسيا وإيران. هذا الجمع بين الثروة والاستقلال هو ما يجعلها غير مقبولة في منطق الهيمنة.
الولايات المتحدة لم تخفِ يومًا اعتبار أميركا اللاتينية مجالًا حيويًا حصريًا، منذ إعلان "مبدأ مونرو" عام 1823. لكن الجديد اليوم هو أن هذا المبدأ يُبعث من جديد في سياق عالمي مختلف: صعود الصين، تراجع القدرة الأميركية على فرض الإرادة منفردة، وتحول المنافسة من الأطراف إلى قلب النظام الدولي. فنزويلا هنا ليست استثناء، بل اختبارًا: هل يمكن لدولة غنية بالموارد أن تفلت من منظومة السيطرة الأميركية وتنجح؟
القانون الدولي كأداة انتقائية
في الخطاب الأميركي، يُقدَّم الطعن في شرعية مادورو باعتباره دفاعًا عن الديمقراطية. غير أن الوقائع تكشف منطقًا مختلفًا: تجاهل أحكام القضاء الفنزويلي، إنكار نتائج الانتخابات، وتبنّي شخصيات كخوان غواديو رئيسًا "شرعيًا" بقرار سياسي خارجي. هذه ليست حماية للديمقراطية، بل تعليق لها عندما لا تنتج النتائج المطلوبة.
هذا الاستخدام الانتقائي للقانون الدولي هو ما يشكّل جوهر الأزمة الراهنة. فالقواعد تُستدعى حين تخدم القوة، وتُهمَل حين تعيقها. هنا تتقاطع فنزويلا مع فلسطين، حيث تُشلّ العدالة الدولية أمام إبادة جماعية في غزة، ومع تايوان، حيث يُعاد تعريف السيادة وفق مصالح القوى الكبرى لا وفق المبادئ المعلنة.
الاتهامات كأداة سياسية
الاتهامات الأميركية لمادورو برعاية "الإرهاب" و"تجارة المخدرات" لا تصمد أمام المعطيات. تقارير الأمم المتحدة وإدارة مكافحة المخدرات الأميركية نفسها تشير بوضوح إلى أن المسارات الأساسية لتهريب الكوكايين تمر عبر المحيط الهادئ وكولومبيا، لا فنزويلا. لكن في منطق القوة، لا تُستخدم الاتهامات لإثبات الوقائع، بل لتبرير التدخل.
هذا النمط ليس جديدًا: من بنما إلى العراق، ومن ليبيا إلى سوريا، تُستخدم السرديات "الأخلاقية" كقناع لسياسات السيطرة، بينما تُفرغ المؤسسات الدولية من مضمونها عندما تتعارض مع المصالح الأميركية.
من كاراكاس إلى غزة: نموذج واحد، ساحات متعددة
في الشرق الأوسط، بلغت هذه الانتقائية ذروتها. الدعم الأميركي غير المشروط لـ"إسرائيل"، رغم المجازر الموثقة في غزة، لم يعد مجرد انحياز سياسي، بل إعلان عملي عن نهاية أي ادّعاء أخلاقي للنظام الدولي. "إسرائيل" هنا تؤدي وظيفة تتجاوز كونها حليفًا؛ إنها أداة تنفيذية لسياسة الهيمنة، أو بتعبير أدق: "حاملة طائرات ثابتة" لإدارة التوازنات بالقوة.
ما يجري في فنزويلا يرسل رسالة خطيرة إلى المنطقة العربية: إذا كان اختطاف رئيس دولة أو السعي لإسقاطه بالقوة الاقتصادية والسياسية مقبولًا في أميركا اللاتينية، فلماذا لا يكون مقبولًا في الشرق الأوسط؟ هكذا يصبح تجاوز السيادة قاعدة لا استثناء، وتتحول الفوضى إلى أداة حكم.
تايوان: احتواء الصين عبر تفجير الأطراف
في شرق آسيا، يتكرر النموذج ذاته بصيغة مختلفة. مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان تُقدَّم بوصفها دعمًا "للدفاع عن النفس"، لكنها عمليًا تقويض مباشر لمبدأ "الصين الواحدة" الذي قامت عليه العلاقات الدولية لعقود. بدل إدارة التنافس مع بكين عبر الدبلوماسية، تختار واشنطن عسكرة المضيق، وتحويل تايوان إلى برميل بارود في مواجهة قوة صاعدة.
كما في فنزويلا، لا يتعلق الأمر بحق تقرير المصير، بل بمنع الصين من تحقيق استقلال استراتيجي كامل. فالهيمنة الأميركية لا تُهدَّد فقط من الجيوش، بل من النماذج الاقتصادية البديلة، ومن قدرة الدول على بناء شراكات خارج المنظومة الغربية. من هنا يصبح تسليح تايوان جزءًا من استراتيجية تطويق، لا من سياسة سلام.
منطق الإمبراطورية في مرحلة الأفول
ما يربط فنزويلا وغزة وتايوان ليس الجغرافيا، بل المنهج. حين تفشل أدوات السيطرة الناعمة – من مؤسسات دولية، وضغوط دبلوماسية، وحروب إعلامية – تنتقل الإمبراطورية إلى أدوات أكثر خشونة: العقوبات، الفوضى، الانقلابات، وتسليح النزاعات. هذا التحول ليس علامة قوة، بل علامة قلق.
التاريخ، يُظهر لنا أن الإمبراطوريات في لحظة الأفول تصبح أكثر عدوانية، لا أقل. لأنها تدرك أن خسارة السيطرة تعني انهيار الامتيازات الاقتصادية والسياسية التي قامت عليها. من هنا نفهم لماذا تُستهدف فنزويلا، ولماذا يُغضّ الطرف عن الجرائم في غزة، ولماذا يُدفع مضيق تايوان نحو حافة الانفجار.
إعادة تشكيل التحالفات وسباق التسلح
نتيجة هذا السلوك، لا يقف العالم مكتوف الأيدي. الدول التي تشعر بالتهديد – من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وشرق آسيا – تميل إلى إعادة التموضع، وبناء تحالفات مضادة، وتسريع سباق التسلح. بدل نظام دولي قائم على القواعد، نعود تدريجيًا إلى منطق القوة العارية، حيث تُرسم الحدود في ميدان الصراع لا في قاعات التفاوض.
هذا التحول يضعف المؤسسات الدولية، ويحوّل الأمم المتحدة إلى إطار شكلي، ويجعل القانون الدولي رهينة موازين القوى. الكلفة هنا لا تقتصر على الدول المستهدفة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، والاستقرار، ومستقبل السلم الدولي.
عالم بلا ضمانات…
فنزويلا ليست بداية الأزمة، لكنها إحدى أكثر لحظاتها وضوحًا. إنها المرآة التي تعكس كيف تُدار الهيمنة في القرن الحادي والعشرين، وكيف يُعاد تعريف الشرعية، والسيادة، وحتى السلام، وفق مصالح القوة الكبرى. من كاراكاس إلى غزة إلى تايبيه، تتكرس قاعدة واحدة: حين تتعارض القواعد مع المصالح، تُكسر القواعد.
السؤال المفتوح اليوم ليس ما إذا كان هذا المسار سيقود إلى فوضى أوسع، بل إلى أي مدى ستُدفَع الشعوب ثمن إعادة رسم النظام العالمي. في عالم تُدار فيه السياسة بالقوة لا بالقانون، تصبح كل دولة مشروع أزمة مؤجلة، وكل منطقة ساحة اختبار جديدة لهيمنة تتآكل لكنها لم تتخلّ عن أدواتها بعد.
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
[email protected]