لعلّ من المفيد التوقّف عند سرديّة تتردّد كثيراً في الخطاب السياسي والإعلامي، مفادها أنّ الشيعة في لبنان يُصورون، في نظر بعض القوى الدولية والإقليمية، على أنهم العائق الأبرز أمام قيام ما يُسمّى بـ"الدولة الحديثة" وفق المعايير المتداولة دولياً. فغالباً ما يُقدَّم هذا المكوّن على أنّه كتلة سياسية متماسكة تقف خارج منطق المبادرات الدولية الهادفة - بحسب أصحابها - إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وعلى امتداد العقود الماضية، جرى التعامل مع هذا الدور بوصفه خروجاً عن "التوافق الوطني" كما تُعرّفه غرف القرار الخارجية، وابتعاداً عن تسويات صيغت في دوائر دبلوماسية مغلقة، أكثر مما صيغت في ساحات النقاش الداخلي اللبناني.
وبينما كانَ العالمُ يرسمُ لنا "خارطةَ طريقٍ" وظيفيةً تجعلُ من لبنانَ واحةً للحيادِ البارد، جاءتْ إرادةُ هذا المكونِ لتبعثرَ الأوراق، وتُدخلَنا في نفقٍ من "الاستعصاء" الذي لا يبدو لهُ نهاية.. فما الذي جعلَ من خزانِ البقاعِ وجبالِ عامل "لعنةً" تأبى الترويض؟ ولماذا فشلتْ كلُّ محاولاتِ "الهندسةِ السياسية" في تحويلِ هؤلاءِ إلى جزءٍ من النظامِ الوظيفيِّ الوديع؟
يستندُ هذا العائق الميداني إلى فشلٍ بنيوي في مشروع (المتاهة اللبنانية) الذي هندسه "رؤوفين أرليخ"؛ تلك الاستراتيجية الصهيونية التي راهنت عقوداً على تحويل المكون الشيعي إلى "أقلية وظيفية" تطلب الحماية من الكيان. لقد استهدفت المتاهةُ الإقطاعَ السياسي التقليدي (الأسعد والخليل) كبوابة عبورٍ شرعية لتثبيت ركائز الارتهان، محاولةً حصرَ خيارات الجماعة بين الذوبان في نظام "البيك" أو التحول إلى أدوات أمنية في ميليشيات (سعد حداد وأنطوان لحد)، حيثُ برزت نماذج الوكالة الميدانية كحالة عقل هاشم وأقرانه. إنَّ سقوط مَن ورد ذكرهم في وثائق المتاهة كحلفاءٍ مفترضين، يكشفُ عجزَ "نظام التفاهة" عن استيعاب تحولات الوعي السيادي؛ فالمتاهة التي سقطت في وحل 1982 تعيد اليوم إنتاج نفسها عبر الوكلاء الجدد أو "شيعة السفارات". هؤلاء ليسوا سوى إقطاعيين جدد، لا تجمعهم رؤيةٌ ولا قضية، بل يتصارعون فيما بينهم بابتذالٍ مكشوفٍ يفضحُ مآربهم، ولا يلتقون إلا على شهوةِ السلطةِ والمالِ والجاه في سوق النخاسة الدولية. إنهم "القفازات الناعمة" للمهندس الدولي، يمارسون ذات الوظيفة الدنيئة التي كُلِّف بها الإقطاع القديم، محاولين تسويق "الارتهان الوظيفي" كضرورة حداثية، ليكونوا الورثة الثقافيين لنهج العمالة، غافلين عن حقيقةٍ صادمة: أنَّ مَن حطّمَ المتاهةَ بالأمس لم يترك خلفه ثغرةً لطموحاتِ "إقطاعِ الفتات" اليوم.
تتجلى خطيئة "المتاهة" في عجزها عن إدراك الفارق الجوهري بين "الشيعية الوظيفية" و*"الشيعية السيادية"*. فبينما نجح المهندس الدولي في تطويع نموذج (أذربيجان)، وقبله (إيران الشاه)، كأدوات تحرس مصالح الكيان الصهيوني، تحطم هذا المسعى في لبنان أمام سلسلة من "العمائم الساطعة" التي قطعت الطريق على محاولات التدجين. قاد السيد عبد الحسين شرف الدين مرحلة انتزاع شرعية الوعي من الإقطاع المداهن للانتداب، ليتسلمها الإمام موسى الصدر الذي حوّل "المحرومين" من مادة للاستثمار في المتاهة إلى قوة سيادية تطالب بالأرض والكرامة خارج حسابات "حلف الأقليات".
أحدث انفجار الوعي مع إيران الامام الخميني قطيعة نهائية مع زمن التبعية البهلوية، لتبدأ ولادة النِمسيس اللبناني كقدر محتوم للعدو. جسّد السيد عباس الموسوي روح المقاومة الرافضة للمساومة على الجغرافيا، ليرتقي بها السيد حسن نصر الله إلى مرتبة الاستعصاء الاستراتيجي الذي كسر هندسة المتاهة في مقتلها، وصولاً إلى الشيخ نعيم قاسم الذي يقود اليوم مأسسة هذا الاستعصاء ومنع تسلل النخب الوظيفية. هؤلاء حوّلوا الجغرافيا من ساحة للقرصنة الدولية إلى "استعصاء رسالي" عجزت عنه نماذج التبعية في أذربيجان، مبرهنين أنَّ العمامة في لبنان لم تكن يوماً طقساً مذهبياً، بل "بوصلة سيادية" أغلقت المتاهة على أصحابها.
يستندُ هذا "الاستعصاءُ" إلى جذورٍ وثّقها عبد الله الحاج حسن في كتابه "تاريخ لبنان المقاوم" عبر أسماءِ أدهم خنجر وصادق الحمزة وملحم قاسم وصبحي حيدر وغيرهم؛ هؤلاء هم "الآباءُ الشرعيون" لـ نِمسيس؛ المصطلح الإغريقي الذي استحضره المؤرخ بيني موريس والباحث يغئال كيبنيس لتوصيف مأزق الكيان. ففي الأساطير، "نِمسيس" هي إلهة الانتقام التي تُطارد ذوي الغطرسة، وقد أقرَّ جنرالاتُ العدو أنَّ غطرسة 1982 استحضرت قَدَرَهار المحتوم؛ أي المقاومة السيادية التي ترفضُ منطقَ القرصنةِ الدولية"
تأتي هذه القراءةُ لتقلبَ الطاولةَ على مَن ظنَّ أنَّ اللعنةَ تهمة؛ فالشيعة هم لعنةُ لبنان في عيونِ مَن أرادوهُ وطناً وظيفياً، وهم العائقُ الصلبُ أمامَ تحويلِنا إلى نسخةٍ مشوهةٍ من نماذجَ مرتهنةٍ للموساد كنموذج أذربيجان. إنَّ هذا الاستعصاءَ السياديَّ يمثلُ الحصنَ الأخيرَ ضدَّ إغلاقِ المتاهةِ الدوليةِ على أنفاسِ اللبنانيين. ومع ذلك، فإنَّ المعركةَ المعرفيةَ لم تنتهِ؛ فما زلنا في طورِ تفكيكِ خيوطِ المتاهةِ المعقدة، وكشفِ الأقنعةِ عن وجوهِ الوكلاءِ الجدد، بانتظارِ ما ستحملُه القادماتُ من حقائقَ ستكشفُ عظمةَ "الاستعصاء" الذي أنقذ لبنان من الهاوية...
الكاتب: علي نقر