الأربعاء 07 كانون الثاني , 2026 03:58

قمة فلوريدا: إدارة التفاوت الأميركي–الإسرائيلي في زمن الملفات المفتوحة

لقاء ترامب ونتنياهو في فلوريدا

تُظهر قراءة اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس حكومة الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا، أواخر عام 2025، أن ما جرى لا يمكن اختزاله في كونه اجتماعاً بروتوكولياً أو محطة عابرة في مسار العلاقة الثنائية، بل كان مناسبة لإعادة ضبط الإيقاع بين شريكين تجمعهما أهداف استراتيجية كبرى، وإن اختلفت مقارباتهما الزمنية والتكتيكية لتحقيق هذه الأهداف. فعلى الرغم من غياب أي مؤشرات رسمية أو تقارير موثوقة تتحدث عن خلاف حاد أو تصادم مباشر في ترتيب الأولويات، إلا أن التحليل السياسي يكشف عن تفاوتٍ محسوب في مقاربة الملفات الإقليمية، نابع من اختلاف السياقين الداخليين لكل من ترامب ونتنياهو، ومن تباين حسابات المخاطر والفرص لدى الطرفين.

لم يُعلن عن خارطة طريق مشتركة واضحة المعالم أو جدول زمني تفصيلي، غير أن الإطار العام للتفاهمات يمكن استنتاجه من خلال مسارات متوازية، أبرزها الاستمرار في توسيع اتفاقات التطبيع الإبراهيمية، بوصفها حجر الزاوية في مشروع تحويل الصراع العربي-الإسرائيلي من قضية سياسية وأمنية مزمنة إلى منظومة علاقات اقتصادية وأمنية إقليمية. وفي هذا السياق، يظهر التوافق الأميركي-الإسرائيلي على التعامل مع التهديد الإيراني النووي والبالستي كأولوية استراتيجية مشتركة، مع ترك هامش مناورة واسع في ما يتعلق بالتوقيت وأدوات المواجهة.

في المقابل، يتضح أن ملف الاستيطان في الضفة الغربية يشكل نقطة تقاطع حساسة، حيث حظي بموافقة أميركية صامتة تقوم على تشجيع التدرج وتأجيل الضم الرسمي، تفادياً لتفجير اعتراضات قانونية ودولية قد تعرقل مسارات أخرى، لا سيما في غزة والتطبيع الإقليمي. كما برزت غزة كملف حاضر بقوة، من خلال الدفع نحو الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مع اختلاف في الشروط والوتيرة بين الطرفين.

أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فقد أظهر اللقاء مقاربة أميركية مختلفة تجاه تركيا، إذ بدا ترامب أكثر ميلاً إلى اعتبار أنقرة جزءاً من معادلة الاستقرار في سوريا، رافضاً تصويرها كخصم بنيوي لإسرائيل، وهو ما يفرض على نتنياهو التعامل بمرونة نسبية، ولو من دون تقديم تنازلات واضحة. في الوقت ذاته، لم يترافق ذلك مع أي توجه أميركي لكبح التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان، بل جرى تثبيت معادلة الضغط المستمر على الحكومة اللبنانية، مع الحفاظ على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية.

عند تفكيك أولويات الطرفين، يتبين أن ترامب ينطلق من حسابات انتخابية داخلية، يسعى من خلالها إلى تعزيز صورته كصانع سلام ووسيط قوي في الشرق الأوسط، وتقديم اتفاقات التطبيع كإنجاز شخصي يعزز موقعه قبيل انتخابات 2026. في المقابل، ينظر نتنياهو إلى المشهد من زاوية أمنية وداخلية أكثر تعقيداً، حيث يضع التهديد الإيراني في صدارة اهتماماته، ويسعى إلى ضمان دعم أميركي غير مشروط للاستيطان وخيارات الضم، إلى جانب استخدام العلاقة مع واشنطن لتعزيز موقعه السياسي الداخلي في مواجهة أزماته القضائية.

هذا الاختلاف لا يرقى إلى مستوى التناقض الاستراتيجي، بل يندرج في إطار ما يمكن تسميته بـ"التفاوت التكتيكي". فبينما يميل ترامب إلى مقاربة تقوم على إغلاق الملفات العسكرية المفتوحة تدريجياً، والانتقال إلى مرحلة الاستثمار السياسي والاقتصادي الإقليمي، يصرّ نتنياهو على منطق الاستئصال ومنع إعادة ترميم مصادر التهديد قبل أي تسويات، خصوصاً في غزة ولبنان وسوريا، مع الإلحاح على ضرورة توجيه ضربات إضافية لإيران إذا لزم الأمر.

ويُظهر عام 2025 بوضوح أن التباين بين الطرفين لا يتعلق بالأهداف النهائية، بل بكيفية تحقيقها، وبحجم القوة المستخدمة، وبوتيرة العمل، وبالمدى الجغرافي والزمني للعمليات العسكرية. ومع ذلك، يدرك الطرفان أن أي خلاف علني سيؤدي إلى إضعاف المبادرات الأميركية، وتقويض الخطاب الانتخابي لترامب، وإظهار نتنياهو بمظهر الضعيف، فضلاً عن فتح المجال أمام أدوار دولية بديلة.

في هذا الإطار، تبرز أهمية إدارة التفاوت لا إنكاره. إذ يسمح هذا النهج باستمرار التنسيق الاستراتيجي، لا سيما تجاه إيران، مع إبقاء ورقة التوقيت كأداة ضغط. كما يتيح تحويل الدعم الأميركي إلى وقائع ميدانية، سواء في غزة أو سوريا، ويمنح نتنياهو نافذة زمنية مواتية لفرض حقائق جديدة على الأرض، مع الحرص على احتواء المخاطر الكبرى عبر التدرج.

غير أن هذا التفاوت يظهر بوضوح أكبر عند تقييم المخاطر في ملفات محددة. ففي الضفة الغربية، يرى نتنياهو أن الاستيطان والضم حق سيادي وتاريخي، بينما يفضّل ترامب التدرج لتجنب انفجارات سياسية تعرقل مشروعه الإقليمي. وفي الملف الإيراني، يتعامل نتنياهو مع إيران كخطر وجودي يستدعي ضربات متواصلة، في حين يسعى ترامب إلى الموازنة بين الردع وتجنب حرب شاملة، مع ترك الكلمة الفصل للتقديرات الاستخبارية.

أما غزة، فتشكّل ساحة اختبار حقيقية للتفاهم الأميركي-الإسرائيلي، حيث يرفض نتنياهو أي انسحاب قبل نزع سلاح حماس، بينما يضغط ترامب باتجاه منع العودة إلى الحرب الشاملة، وتهيئة الظروف للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مع رفض الضم الفعلي أو الوجود العسكري الدائم. وفي سوريا، يتقاطع الطرفان على ضرورة منع عودة إيران، لكنهما يختلفان حول حدود النفوذ الإسرائيلي وشكل المنطقة العازلة، وحول كيفية إدارة التوازن مع تركيا وحكومة دمشق الانتقالية.

في لبنان، يتجسد التفاوت في مقاربة حزب الله، إذ يميل نتنياهو إلى الخيار العسكري الجراحي الواسع، في حين يفضل ترامب الضغط الاقتصادي والسياسي المكثف، مع الإبقاء على هامش ضربات ردعية محدودة، خشية الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة.

خلاصة القول إن لقاء فلوريدا لم يؤسس لقواعد اشتباك جديدة بقدر ما أعاد تثبيت أطر تنسيق قائمة، وقلّص مساحة التباين عبر إدارة مدروسة للتفاوت بين الجدول الزمني الأميركي والأجندة الأمنية الإسرائيلية. كما وجّه رسالة واضحة لإيران بأن خيار الضربة الثانية ما زال قائماً، وأظهر توحيداً في الخطاب العلني، وتأجيلاً محسوباً للخلافات الكامنة، في إطار سياسة ترامب القائمة على "فن الصفقات" وإدارة التناقضات بدل تفجيرها.


الكاتب:

حسين شكرون

- محرر في موقع الخنادق

- طالب دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية




روزنامة المحور