الإثنين 04 تشرين أول , 2021

استراتيجية حزب الله في تحشيد الموارد ومواجهة الخصوم

تشهد المنطقة أحداثاً هي بمثابة إعادة رسم للتموضوعات الجيوستراتيجية للقوى الكبرى عالمياً والفاعلة اقليمياً. وقد حضر حزب الله بقوة على هذه الساحة حيث أثّر بشكل مباشر على مسار هذه الأحداث كونه قوةً قد أثبتت حضورها على كافة الصعد والمستويات العسكرية والسياسية والإعلامية وغيرها حيث نجح بتدوير الزوايا وتحقيق الإنجازات واحتواء الأزمات التي يواجهها لبنان إضافة للحملات التي تطاله مباشرة.

في كتابه "الدعاية قوة سياسية جديدة" يقول ج. درينكور "ان المؤرخين سيقولون في المستقبل إن القرن العشرين كان قرن الدعاية"، لما شهده العالم من اعتماد أساسي على "أسلحة الخداع الشامل" التي سُلّمت للجيوش الالكترونية لخوض معارك افتراضية مساندة لتلك التي تُخاض ميدانياً عسكرياً أو سياسياً أو دبلوماسياً خاصة عندما تكون هذه الجهة المُحرّكة في وضع مأزوم.

حزب الله كقوة إقليمية خاضت عدة أنواع من الحروب، كانت تمارس عليه على غير ساحة، خاصة داخل الساحة اللبنانية، وهذا ما يتطلب قراءة دقيقة للكيفية والآلية التي اعتمدها الحزب منذ تأسيسه إلى اليوم.

في حوار خاص مع موقع الخنادق يقول الباحث السياسي الدكتور في القانون الدولي علي فضل الله ان "حالة حزب الله تمثّل نموذجًا يدرس، وقد أثار انتباه محللين وأمنيين وباحثين وعسكريين واستراتيجيين. حزب الله الذي بدأ ببضع مئات من المقاتلين الشباب الصغار بالسن في مطلع الثمانينات تحوّل اليوم إلى قوة فاعلة في مجموعة من الدول، ولفت النظر، حتى الإسرائيلي يتحدث ان هناك قوة حزبية تملك قوة عسكرية تفوق بعض دول العالم، وهذا توصيف عدو حزب الله. عدا عن وجود قوة فاعلة سياسية داخل الحكومة والمجلس والعلاقات الخارجية والأجهزة الخدماتية في مختلف المجالات".

أما عن الميزة التي اتقنها الحزب للوصول إلى هذه المرحلة فهي القدرة على مراكمة الموارد في اتجاه واحد. يقول فضل الله أن ما جعل هذا الأمر ممكناً هو اجتماع عدد من العناصر:

الهدف الأساسي: "وهو المقاومة وكانت تتطلب جهداً هائلاً نسبة لفارق القوة الكبير بين الاحتلال الإسرائيلي وبين قوى التحرر في لبنان". فمواجهة هذا العدو الذي يمتلك إمكانيات هائلة كان يتطلب جهداً مضاعفاً وبشكل غير تقليدي بل مزيداً من الابتكار والتجديد والتطوير والمراقبة عن كثب لكافة التطورات الحاصلة ليس فقط في لبنان وفلسطين بل في المنطقة والعالم ككل، هذا ما تطلب عملاً استثنائياً.

طبيعة ما كان مطلوباً: "وهنا نقصد في الداخل اللبناني، فالحزب تأسس في ظل حرب أهلية (مدنية) وتطورت الأمور تدريجياً (تحرير 2000 و2006 واغتيال الحريري) إضافة لمجموعة من الظروف التي دفعت حزب الله إلى مزيد من الانخراط في العمل العام، ان كان داخل لبنان أو خارجه". لذلك حرص الحزب على تحييد البلاد عن الصراعات الداخلية وان لا يكون طرفاً معطلاً في أي من المشاريع التي من الممكن أن تقدم حلاً لمشكلة ما.

التصميم والأثمان التي دُفعت: على غير صعيد، ولعل أكثرها ثقلاً هي شهداؤه الذين سقطوا خلال مواجهة مشروع تقسيم واحتلال المنطقة، إضافة لحملات التشويه المستمرة وزهده في المناصب والأموال وغيرها.

تواضع حزب الله

وبالنسبة لأسباب التواضع الداخلي الذي يتسم به حزب الله فهي عائدة لقراءة الحزب المتعلقة بسياسة "حشد الموارد لتحقيق الأولوية". وهنا نتكلم عن الحزب بكافة مؤسساته العسكرية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية والرعائية والخدماتية والصحية وغيرها... والتي تعمل كجسم واحد بتنسيق كامل يثير الاهتمام. حيث ان صلة الوصل بين هذه المؤسسات تكون في إدارة متسلسلة مع رابط مركزي.

وحدة القيادة والإدارة الفضلى: ولا نتكلم عن الشخصنة بخلاف بقية الأحزاب والقوى السياسية بل عن مجلس الشورى وأصحاب الاختصاص. ودائما ما يكون القرار الوصول إلى أفضل نتيجة بأقل كلفة وأكبر جودة- هناك دائمًا جهود لتخفيض الكلفة، وتحسين الجودة، وتقليل الزمن لتحقيق نفس الإنجازات او ربما أفضل منها. وقد لا تكون هذه النتائج سريعة، بل استراتيجية وطويلة الأمد. كقرار تدخل الحزب في سوريا الذي بدأ لبنان يحصد ثمارها مع انتهاء مسلسل التفجيرات والأعمال الإرهابية في الداخل لبنان أولاً، ومع وصول أول ناقلة نفط إلى مرفأ بانياس السوري ومنه إلى لبنان بالدرجة الثانية، وغيرها من النتائج التي انعكست إيجاباً ليس فقط على الحزب نفسه بل على اللبنانيين كافة.

هذا الربح الذي جناه حزب الله خاصة بعد الحرب السورية وجعلته يتموضع إلى جانب الدول والقوة الفاعلة اقليمياً ودولياً، كان نتيجة عدد من العوامل إلى جانب قدراته العسكرية الهائلة وذكائه الاستراتيجي. نذكر منها:

غباء الخصوم والأعداء: "في السياسة، الطبيعة تأبى الفراغ، نتيجة فشل الآخرين -كيان الاحتلال والولايات المتحدة- في مشاريعهم أتاحت لهذه الجهة ان تتوسع ويكثر أصدقاؤها". وهذا الغباء كان مركباً وليس بسيطاً ونتيجة عدد من الإخفاقات رغم امكاناتهم الهائلة وعدم تعلمهم السريع من تجارب سابقة وقراءتها على انها هفوة، بينما كانت خطأ قاتلًا ترتب عليه عدد من المتغيرات كما حصل في العراق وأفغانستان وغيرها.

الوفاء للأصدقاء: استطاع الحزب إيجاد شبكة تحالفات وهو يحافظ عليها ويطورها أيضاً، وقد اتاحت انتصاراته الأخيرة التي كشفت عن قوته وقدراته الضخمة في تطوير هذه الشبكة. وهناك عنصر آخر قلما يتم الحديث عنه، هو الوفاء، الوفاء للأصدقاء، على خلاف الأميركي والإسرائيلي وبعض دول الخليج. يتمتع أصحاب هذا التحالف -المقاومة- بمقدار عال من الوفاء للأصدقاء مهما كان الثمن، وهذه قيمة فريدة في العالم المادي الواقعي اليوم.

رداً على الإنجازات التي راكمها حزب الله وما قابله من فشل واشنطن في إحداث تغيير بنيوي مؤثر على هذه المسيرة، اتجهت نحو مسارين: إما الحملات الإعلامية أو توريطه داخلياً.

 -الجيوش الالكترونية والحملات الالكترونية كعامل مساعد ومؤثر، ولأجل ذلك دفعت أموالاً طائلة كما صرّح مساعد وزير الخارجية للشرق الأدنى السابق جيفري فيلتمان عام 2016 "أميركا أنفقت 500 مليون دولار لتشويه صورة حزب الله" إضافة لتصريح مساعد وزير الخارجية ديفيد هيل خلال جلسة الاستماع في الكونغرس بأن واشنطن انفقت 10 مليارات دولار على المؤسسات العسكرية ومنظمات المجتمع المدني" في لبنان.

وعن هذه الحملات يقول د. فضل الله انه "عندما نرى هذا التوتر والهجوم المستمر على الحزب فهذا يعني انه فعال، وكلما ازدادت الفعالية زادت معها حدة الهجوم، وهو لم يرتاح يوما ما من ضغط الاتهامات ولكن في النهاية هو يربح، يجب ان يدرك الآخرون ان سياساتهم تجاهه تزيده قوة".

ويرجع فضل الله السبب وراء هذه الاخفاقات إلى فشل في فهم البيئة وتوقع ردود الأفعال: "ففي حادثة خلدة لم يحتاج الحزب لخطاب ضبط النفس لمنع انجرار جمهوره إلى مستنقع الفتنة الداخلية. اتهم هذه الجهات بعدم بذل جهد كافي لفهم هذه البيئة بالتحديد، فعلى وسائل التواصل الاجتماعي هناك ما يسمى مقالات ودراسات نجد فيها جهلاً فظيعاً في فهم هذه البيئة، وعدم تقدير طبيعة ردود الفعل التي من الممكن أن تقدم عليها تحت الضغط. إذا كانوا فعلاً يريدون محاربة حزب الله عليهم فهمه أولاً. وهنا أستذكر كلام جون جاك روسو "الحقد آخر مراحل الفشل".

-سياسة تشتيت القوة: يرى الحزب أن هدف الولايات المتحدة هو توريطه في المستنقعات الداخلية لتشتيت القوة ونزع المشروعية والشرعية عن سلاحه، وبالتالي هناك قرار اجمالي "لن ندخل في أي أمر هامشي أو جانبي، وعلينا التركيز على الأولوية الأولى إذا ضربنا راس الأفعى فموضوع الذيل أصبح سهلاً".

وعن خيار واشنطن في مواجهة حزب الله باللبنانيين أنفسهم من خلال خلق ما يسمى جمعيات "المجتمع المدني" يقول فضل الله إنها ليست جمعيات مجتمع مدني هي جمعيات مرتبطة بالخارج،  

  وهي لن تعلن عن ذلك بشكل واضح. مؤخراً بتفجيرات المرفأ طلب الجيش اللبناني من الجمعيات التي قالت وأعلنت أنها ستعوض للمتضررين الإفصاح عن مصدر التمويل، إلا انه من أصل 385 جمعية فقط 4 صرحوا عن أموالهم ومصادر تمويلهم، وهذا دلالة كبرى على ان هناك عمليات نهب وفساد وقد يبدون أكثر فساداً من الدولة".

وعن كيفية تعاطي الحزب مع هذه الجمعيات غير الحكومية أشار الباحث فضل الله  " أولًا استفادت هذه الجمعيات من حملة إعلامية هائلة، لذلك كان من الصعب مواجهتهم بشكل مباشر ومعروف، بالعمل السياسي ان أول من يتصدى يتلقى كل الطعنات والضربات، لقد قبِل الحزب ان يدفع هذا الثمن لانه اعتبر ان هناك خطرًا كامنًا وراء عدم وجود قيادة، وعدم وجود توجيه جيد لمطالب الناس التي بعضها محق، وتمكن فعلًا خلال ساعات ان يفرغ 63% من المتواجدين في هذه الساحات، وهذا انجاز كبير في مكان ما".

لمشاهدة المقابلة كاملةاضغط هنا 


الكاتب: غرفة التحرير