الثلاثاء 29 آذار , 2022

تقييم العملية العسكرية الروسية: أوكرانيا أخطأت في حساباتها

العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا

تعتبر أوكرانيا أنها خسرت خسارات هائلة في خوضها لهذه الحرب أو مشاركتها في استدراج روسيا لخوضها حيث أن معظم قدراتها العسكرية والاقتصادية ومكوناتها كدولة قد دمرت وتشرد من شعبها الملايين الذين أصبحوا بلا مأوى أو في لجوء قسري. فضلاً عن أهم مدنها وبناها التحتية وقدرتها الصناعية الأساسية في الشرق قد محيت من الوجود، وهي حرمت من واجهتها الساحلية فأصبحت دولة داخلية. لذا فإنها تقاتل من أجل عدم الخسارة العسكرية فقط والخضوع التام.

بحلول الوقت الذي انتهت فيه العمليات الافتتاحية، ظهر الوضع العام إلى حد كبير كما هو الحال على الأرض في أوكرانيا، مع:

- انحرافين رئيسيين طوعيين نتجا عن تعديل الخطة الاستراتيجية الروسية التي اضافت إلى هدف تحرير كامل إقليم الدونباس هدفاً جديداً وهو عزل شرق أوكرانيا عن غربها.

- انحرافين قسريين في شرقي كييف. أولاً، دفع الروس بقوة أكبر خارج بيلاروسيا إلى الغرب من نهر دنبير لضرب المدينة من الخلف، وثانياً، توقف الهجوم الروسي في وعدم الاقتراب من مدينة أوديسا.

كان التركيز الأساسي للروس، خلال الأيام القليلة الأولى من الحملة، يهدف إلى:

1 -اكتساب حرية المناورة في الأجواء.

2 -تحقيق السيطرة الجوية.

3 -تحييد نظام الدفاع الجوي والصاروخي الأوكراني البعيد والمتوسط المدى.

4 -تدمير أنظمة الدفاع الساحلية الأوكرانية.

لذلك، وعلى الرغم من أن عدد الضربات الفعلية التي قام بها الروس في أول 24 ساعة من الحرب كان محدداً، إلا أن تأثيرها ها كان مختلفًا إلى حد كبير. في المناورات القادمة، ويبدو من الضربات الروسية الاستراتيجية التي انتشرت على نطاق أوسع لتحيد مجموعة من الأهداف الأساسية. إلا أن الروس استخدموا ذخائر أقل بكثير مما هو مطلوب لشل الدفاعات الجوية الأوكرانية، أو لتقويض قدرتهم في السيطرة على القوات في الميدان بشكل كبير، وتبين لاحقاً أن قسماً كبيراً من هذا القصف كان غير ذي جدوى، بسبب التشكيلات التي اعتمدتها القوات الاوكرانية في الساعات ال 72 الأولى من الحرب والتي قضت باعتماد تشكيلات باستعداد صغير، أكبر تشكيل تعبوي فيه لا يتعدى الكتيبة. باختصار، كانت الهجمات الروسية مدمرة للأهداف التي قصفت ولكنها كانت غير كافية للتغلب على كامل الدفاعات الأوكرانية.

في حين تم تدمير جزء كبير من القوات الجوية الأوكرانية على الأرض.

كانت خطة روسيا هي الاستفادة من فترة كافية لتحييد الكتل الدفاعية الرئيسية الاوكرانية في البر والبحر والجو وكان تأثير خطة المناورة النارية التمهيدية عميقاً، فبمجرد تقدم القوات البرية، حظيت بدعم قوي من القوات الجوية الروسية، التي تحلق منذ اليوم الخامس تقريباً في الأجواء الأوكرانية بلا منازع.

في هذا الوقت، حول الروس كل طاقتهم النارية (مدفعية وطيران وصواريخ وبحرية) إلى تدمير أنظمة الدعم الناري الأوكرانية".

الأهداف العسكرية الروسية من عمليتها الخاصة في أوكرانيا:

تقدمت القوات البرية الروسية على ستة محاور أساسية هي:

_ محور بيلاروسيا / شمال وغرب كييف، وهدفه:

أ- تأمين جانبي نهر دنيبرو، من شمال وغرب دنيبرو بهدف عزل كييف وقطعها عن الاتصال بغربي أوكرانيا أو الاستفادة من أي دعم يأتيها من الناتو عبر الحدود الغربية من بولندا ورومانيا.

ب- تأمين منطقة تشرنوبيل المحظورة.

ج- حشد قوات روسية كبيرة شمال وغرب العاصمة الأوكرانية تمنع القوات الأوكرانية في كييف من المغامرة بإرسال أي دعم بشري إلى الجنوب والشرق.

د- إجبار القوات الأوكرانية الكبيرة الموجودة في كييف على تضييق مناورتها إلى الحدود الدنيا لا يتعدى مجالها 20 كيلومتراً في محيط العاصمة.

2_ محور خاركيف، وهدفه:

أ- حصر القوات الأوكرانية الموجودة فيه ومنعها من فتح جبهة متقدمة تبعد 40 كلم عن الحدود الروسية.

ب- منع أي مناورات أوكرانية كبيرة خارج المدينة وخصوصاً في الاتجاه الجنوبي والغربي حيث يوجد عوارض حساسة طبيعية واصطناعية مائية مؤثرة.

ج- منع القوات الاوكرانية الموجودة في خاركيف من دعم أي عملية دفاع في منطقة الدونباس.

د- جعل المفارز الأوكرانية خارج خاركيف ضعيفة وبدون دعم ومساندة حتى يسهل تطويقها والقضاء عليها.

3_ محور سومي الهدف منه:

أ- حصر القوات الأوكرانية الموجودة فيه ومنعها من فتح جبهة متقدمة تبعد 20 إلى 25كلم عن الحدود الروسية.

ب- منع القوات الموجودة في سومي من دعم القوات الموجودة في خاركيف أو من التأثير على العمليات الروسية هناك.

ج- منع أي مناورات أوكرانية كبيرة خارج المدينة وخصوصاً في الاتجاه الشمالي والغربي لتأمين اندفاعة القوات الروسية إلى شرق كييف باتجاه الخط الممتد من ضاحية بورفاري الصناعية شرق كييف إلى مطار بوريسبيل الدولي الرئيسي في جنوب شرق كييف.

د- تيسير تطويق شيرنييف لمنعها من التأثير استراتيجياً على خلفية وميمنة القوات الروسية التي اتجهت إلى شرق كييف فضلاً عن منعها من التأثير على قوة التأمين الروسية الرئيسية الموجودة شمال شرق كييف.

4_ محور الدونباس (دونيينز- ولوهانسك – ماريبول)، والهدف منه:

أ- السيطرة على كامل إقليم الدونباس ووصله بروسيا شرقاً وبشبه جزيرة القرم غرباً.

ب- تأمين قاعدة لوجستية كبيرة للقوات في الجبهات الجنوبية من خلال المطارات وخطوط النقل الرابطة بين الاقليم وروسيا.

ج- المساهمة في الاطباق البري على مدينة ماريوبول وعزلها من الجهتين الشرقية والشمالية والاستفادة من رأس الجسر الساحلي شرقي ماريوبول لاحتلال ميناء المدينة وعزل أوكرانيا عن بحر آزوف.

5_محور القرم – خيرسون، وهدفه:

أ- السيطرة على مدينة خيرسون الاستراتيجية ومنع أي دعم قتالي لجبهة ماريوبول.

ب- محاصرة ميكولاييف بعد عزل القسم الغريب منها واحتلال قسمها الشرقي المطل على

أحد فروع نهر الدنيبر الذي يصل أوكرانيا بأوديسا وبالبحر الاسود.

ج- تأمين الوصول إلى قناة القرم وتفجير السد الذي بنته أوكرانيا بعد العام 2014 ومنعت

من خلاله تزويد شبه جزيرة القرن بالمياه.

ه- التوجه شمال ميكولاييف لمسافة تتعدى ال 380 كيلومتر لتحقيق الاتصال بالقوات التي أدخلت من بيلاروسيا والتي سوف تتمدد جنوب غرب كييف وذلك بهدف السيطرة على كامل الحوض الجنوبي لنهر دنيبر وعزل كامل أوكرانيا الغربية عن أوكرانيا الشرقية.

6_محور القرم ماريوبول، وهدفه:

أ- منع أي مناورة من المدينة براً أو بحراً تجاه مقاطعة لوهانسك في اقليم الدونباس للدفاع عنها ومنع احتلالها.

ب- عزل وتدمير القسم الأكبر من كتيبة آزوف الاوكرانية اليمينية المتطرفة.

ج- قطع اتصال أو كرانيا ببحر آزوف.

د- تأمين منفذ لوجستي بحري للقوات الروسية لدعم أي عمليات مستقبلية.

ه- وصل كامل المناطق الساحلية الاوكرانية ببعضها وربطها مع روسيا.

ثانياً: تقييم العملية العسكرية الدفاعية الأوكرانية:

كان القرار المبكر الحاسم بالنسبة لأوكرانيا هو ما يجب فعله مع 17 إلى 20 كتيبة مصفوفة على خط السيطرة في منطقة دونباس. وإدراكًا منها أن هذه القوات كانت معرضة لخطر التطويق ولا يمكنها تحمل هجوم شامل من قبل جيش الأسلحة المشتركة الروسي الثامن، اذا فقد تم اتخاذ القرار بالانسحاب إلى نهر دنيبر، باستثناء لواء المشاة الميكانيكي 92 الأوكراني بالإضافة إلى أجزاء من الألوية 53 و54، اللذان تم إرسالهما لتعزيز المواقع في خاركيف وسومي. كان القصد من هذه الأوامر هو جذب جيش الأسلحة المشتركة الروسي الثامن إلى إنفاق كميات هائلة من الموارد ليصل إلى مواقع فارغة، بعد أن يكون الأوكرانيون قد انسحبوا بالفعل إلى نهر دنيبر.

هنا يظهر بشكل واضح أحد الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها الأوكرانيون والتي دفعوا ثمنها بعد انقضاء الأسبوع الأول من الحرب. كان الابتعاد عن خط التماس في الدونباس صعباً، حيث أن التراجع تحت الضغط دائما ما يكون كذلك. تم اجتياح ست كتائب أوكرانية على الأقل، وتكبدت الكتائب الباقية خسائر فادحة في الاستهداف الجوي وهي في طريقها إلى نهر دنيبر.

كما دفعت القيادة الأوكرانية ثمناً باهظاً على المستوى التعبوي حيث استغلت القوات الروسية الفوضى (التي تسببت بها عمليات سحقها للكتائب الأوكرانية المتراجعة من الدونباس) لتنفذ مناورة اختراق عميق بثلاث فرق مدرعة من الجيش الروسي الثامن إلى شرق كييف قطعت خلالها هذه القوات 200 كيلومتر دفعة واحدة في أقل من 72 ساعة كما استفادت أيضاً من إحكامها للطوق على خاركيف وسومي لتمرر عملية الاختراق العميق بسرعة وسلاسة إلى حدود العاصمة الشرقية. فرغم أن الأوكرانيين الذين كانوا شبه مقتنعين بعدم امتلاكهم القدرة ولا الموارد على استثمار تشكيلاتهم التعبوية الكبيرة لذا اعتمدوا على التشكيلات التكتيكية من كتيبة نزولاً.

وقعت القيادة الأوكرانية بهذه التدابير بخطأ كبير في التقدير إذ توقعت جعل خاركيف ستالينجراد ثانية، من شأنها أن تمتص أعدادا متزايدة من القوات الروسية في معركة استنزاف دموية وتبين أن الأوكرانيين قد وقعوا بفخ كبير وذهبوا إلى حيث هدف المخططون العسكريون الروس الذين لم يكونوا في وارد احتلال خاركيف وسومي بل عزلهما وتطويقهما طوقاً طويلاً محكماً ثم الإطباق عليهما بعدما تنعدم موارد وإرادة القتال لديهما. إلا أن الخطأ الذي ارتكبته القيادة الأوكرانية في خاركيف وتسومي عوضته في مناطق أخرى مثل أربين وماريوبول...


المصدر: مركز دراسات غرب آسيا