السبت 13 آب , 2022

إسرائيل ديفانس: إسرائيل لا يمكنها أن تتحمل جولة قتال كل عام

كيان الاحتلال

ثبّتت معركة "وحدة الساحات" الترابط بين غزّة والضفة وهي أهم المعادلات التي خرجت بها المقاومة الفلسطينية منذ معركة "سيف القدس" العام الماضي. في هذا السياق شرح الكاتب الإسرائيلي، عامي روحكاس دومبا، في مقاله في صحيفة "إسرائيل ديفانس" العبرية تداعيات هذه المعادلة على كيان الاحتلال.

فقد "أدى الدمج بين الساحات إلى تقليص الفترة الزمنية بين جولات القتال في غزة. وهذا هو الهدف في نظر المنظمات الفلسطينية"، مشيراً الى انه "فكلما ارتفعت تكلفة العمل الإسرائيلي قلت حرية العمل التي يحصل عليها الجيش الإسرائيلي من المستوى السياسي ومن الجمهور". ولفت الى الانعكاسات السلبية لهذا الوضع على مسألة التطبيع مع الدول العربية وعلى التكاليف والنفقات في الجبهة الداخلية مستخلصاً "أن إسرائيل لا يمكنها أن تتحمل جولة قتال كل عام".

المقال المترجم:

تأتي عملية "بزوغ الفجر" التي بادر إليها الجيش الإسرائيلي يوم الجمعة الماضي بعد حوالي عام من الجولة السابقة "حارس الأسوار". الجولتان الأخيرتان ترمزان أكثر من أي شيء آخر إلى إستراتيجية الربط بين الساحات لدى حماس والجهاد التي ترى أن حدثًا في ساحة ما سيؤثر على الأخرى، يؤدي نظام الأدوات المتشابكة هذا إلى مزيد من الاحتكاك المتكرر بين الجيش الإسرائيلي والمنظمات الفلسطينية ومن المتوقع أن يؤدي إلى جولات أسرع في غزة والقدس والمدن المختلطة أو الضفة الغربية.

إضافة إلى ذلك فإن مفهوم ربط الساحات لدى المنظمات الفلسطينية يتحدى مفهوم الفصل الذي تحاول إسرائيل الحفاظ عليه بين الساحات وبشكل رئيسي بين ساحة غزة وساحة الضفة الغربية من أجل منع إقامة دولة فلسطينية، في "حارس الأسوار" أدت المواجهات في القدس إلى حرب في غزة ومواجهات في المدن المختلطة، في عملية "بزوغ الفجر" اعتقل الجيش الإسرائيلي جهاديًا بارزًا في الضفة الغربية، ودخلت منطقة غلاف غزة في حالة تأهب أدت إلى اندلاع الحرب في غزة.

الربط بين الساحات – تكلفة ثمن أكبر لأي عملية إسرائيلية.

أدركت حماس أن الفصل بين الساحات يضر بها ويرجح الكفة لصالح إسرائيل. في السياق السياسي يسمح الفصل بين غزة والضفة الغربية لإسرائيل بتأجيل مناقشة التسوية الدائمة لدولة فلسطينية. وأما في السياق العسكري يسهل على إسرائيل التعامل مع كل ساحة على حدة. في نظر حماس عندما تعمل كل الساحات كأدوات متشابكة يزداد الثمن الذي ستدفعه إسرائيل مقابل أي عمل ضد حماس.

في عملية "حارس الأسوار" في مايو 2021، تمكنت حماس من الربط بين المسجد الأقصى في القدس والفلسطينيين في الداخل وغزة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها حماس الربط بين الساحات أمام الدمج بين الأذرع الذي يروج له الجيش الإسرائيلي في ساحة المعركة، ويحاول كلا الجانبين جبي ثمن أكبر من الجانب الآخر، كل على طريقته الخاصة.

الآن، كما ذكرنا توافق الجهاد الإسلامي أيضًا مع حماس عندما ربطت بين الضفة الغربية وغزة، وأدى اعتقال المسؤول الكبير في التنظيم بسام السعدي من جنين إلى تهديد إطلاق كورنيت ضد المستوطنات في غلاف غزة الذي دخل في حالة إغلاق لعدة أيام. بعد الربط بين الساحتين اضطر الجيش الإسرائيلي لشن عملية عسكرية أخرى في غزة بعد حوالي عام ونيف من العملية السابقة. بمعنى آخر لقد أدى الدمج بين الساحات إلى تقليص الفترة الزمنية بين جولات القتال في غزة. وهذا هو الهدف في نظر المنظمات الفلسطينية.

تهديد الكورنيت موجود ليبقى

مبادرة الجيش الإسرائيلي ضد تهديد مضاد الدروع "الكورنيت" واضحة. منظمة فلسطينية تعمل من غزة وتحتجز عشرات الآلاف من الإسرائيليين في غلاف غزة محاصرين في منازلهم هو حدث لا يطاق من جميع النواحي المدنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية. لا تستطيع إسرائيل السماح لنفسها بأن تُحاصر أو تغلق منطقة في البلاد بسبب منظمة فلسطينية. هذا يُظهر الضعف وانعدام السيادة والخضوع للابتزاز. بالنسبة لإسرائيل فإن الظروف التي تسبب فيها الجهاد الإسلامي في غلاف غزة لا تطاق وعملية "بزوغ الفجر" في هذا السياق كانت هي الحرب التي لا مفر منها.

ومع ذلك، فإن تهديد "الكورنيت" من غزة ليس جديدًا وهو موجود ليبقى. فهذا نظام يطلق صواريخ مضادة للدروع يصل مداها إلى عدة كيلومترات، دقيقة وموجهة تساعد في قتل الإسرائيليين حتى أثناء الحركة على الطرق في الغلاف. وليس من السهل على الجيش الإسرائيلي التعامل معه. في السنوات الأخيرة تم تجربة مجموعة متنوعة من الحلول. حيث تم إخفاء أجزاء من الطرق في الغلاف بواسطة الأسوار أو السواتر الترابية.

الردع إن وجد سيكون قصير الأمد

في الجيش الإسرائيلي يأملون بأن يكون اغتيال كبار المسؤولين في الجهاد قد خلق نوعا من الردع ضد المنظمات الفلسطينية في غزة وعلى وجه الخصوص الجهاد الإسلامي. لكن التاريخ سيظهر أن اغتيال بهاء أبو العطا العضو البارز في الجهاد في غزة قبل نحو ثلاث سنوات في عملية "الحزام الأسود" ولّد بسرعة قيادة بديلة في التنظيم. وبالتالي من المشكوك فيه إذا ما كانت بعض عمليات الاغتيال الآن قد تساهم في الردع في المستقبل. يمكن لأحدهم أن يقول بأن هذا مثل الذي يفعل نفس الشيء ويتوقع نتيجة مختلفة.

 

علاوة على ذلك، كما ذكرنا فإن المواجهة الأخيرة "حارس الأسوار" في غزة التي جرت ضد حركة حماس في أيار 2021 قبل نحو عام ونصف والتي كانت من المفترض أن تردع حماس سرعان ما انتهى مفعول ردعها. ولو كان هناك ردع في الأصل لكانت حماس قد أقنعت الجهاد بالتراجع عن فكرة الحرب مع إسرائيل خوفًا على مصيرها. التمييز الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي بين حماس والجهاد الإسلامي هش. في الواقع، تدعم حماس الجهاد الإسلامي لوجستياً في غزة وكصاحبة السيادة في غزة تغض الطرف عن حربها ضد إسرائيل.

إنجاز إستراتيجي لحماس

حماس لا تجلس على الحياد هكذا، إنها تستفيد من الحدث. فالجيش يُضعف الجهاد في غزة والضفة الغربية. الجهاد يتماشى مع إستراتيجية حماس لربط غزة بالضفة الغربية (الربط بين الساحات). بالإضافة إلى ذلك تحصل حماس على نقاط استحقاق في إسرائيل لأنها لم تتدخل في القتال كجزء من عملية "بزوغ الفجر". هل ستؤدي العملية إلى إنجاز حماسي بإطلاق سراح أسرى من السجون الإسرائيلية مقابل إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين الذين لديها؟ الوقت هو من سيخبرنا أو من سيحكم.

بالنسبة لحماس، تعتبر عملية "بزوغ الفجر" إنجازاً إستراتيجياً. في المرة القادمة عندما تريد إسرائيل اعتقال عضو بارز من منظمة الجهاد في الضفة الغربية سيعرف الجيش الإسرائيلي بأن الانتقام يمكن أن يأتي من غزة أو من الضفة الغربية أو من القدس أو من المدن المختلطة في إسرائيل. وترفع هذه المعادلة من التكلفة النظرية لعملية الجيش الإسرائيلي.

نجحت حماس للمرة الثانية على التوالي في كسر مفهوم الفصل الذي يفرضه الجيش الإسرائيلي بين غزة والضفة والقدس وتحميل إسرائيل ثمنًا أعلى مقابل عمل روتيني نسبيًا (اعتقال ناشط في الضفة وأعمال شغب في المسجد الأقصى). فكلما ارتفعت تكلفة العمل الإسرائيلي قلت حرية العمل التي يحصل عليها الجيش الإسرائيلي من المستوى السياسي ومن الجمهور.

نقطة أخرى هي الفصل الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي بين حماس والجهاد في غزة. الفصل ذاته يمنح شرعية لحماس في نظر الجمهور الفلسطيني ويظهر أن الجيش الإسرائيلي يخشى الدخول في مواجهة مع حماس في غزة وأنه يفضل إبقاء المعركة محدودة فقط ضد الجهاد الذي يعتبر منظمة أضعف عسكرياً.

تحدٍ سياسي

من الناحية السياسية، في ضوء “اتفاقيات أبراهام” والمحادثات التي ألمحنا إليها مع المملكة العربية السعودية فإن جولات القتال السريعة المتتالية في غزة أو الضفة الغربية أو ضد الفلسطينيين في الداخل تشكل عائقاً امام هذه الخطوات. أعلنت المملكة العربية السعودية رسميًا أنه لن يكون هناك تقدم مع “إسرائيل” دون ترتيبات أيا كانت بخصوص قيام دولة فلسطينية. في أي ترتيب من هذا القبيل، ستكون غزة جزءاً من المفاوضات وكذلك حماس والجهاد.

جولات أسرع من القتال ضد الفلسطينيين يمكن أن تلقي بظلالها على جهود التطبيع الأخرى التي تحاول تل أبيب الترويج لها مع دول الخليج. من أجل تعزيز هذه الجهود يحتاج المستوى السياسي إلى فترات هدوء طويلة نسبيًا لترسيخ العلاقة. إذا لم يكن الجيش الإسرائيلي قادرًا على توفير ذلك عسكريًا، فمن المحتمل أن يفضل المستوى السياسي تحييد قوة الجيش ويعلق آماله على الوسائل السياسية والاقتصادية.

جزء من هدف التطبيع مع دول الخليج هو تعزيز نظام دفاع إقليمي ضد إيران؛ لذلك يمكن القول إن هناك علاقة ارتباط بين موقف دول الخليج من محاربة الفلسطينيين وتعاونها مع إسرائيل في الجانب الإيراني. إذا افترضنا وجود مثل هذه العلاقة، فكلما كانت جولات القتال ضد الفلسطينيين أسرع ومتتالية قلّ دافع هذه الدول للعمل مع إسرائيل ضد إيران. حتى أن بعضهم قرر مؤخرًا تعزيز العلاقات مع طهران بالتزامن مع النشاط مع إسرائيل ضد طهران.

المزيد من الجولات – المزيد من النفقات

كما ذكرنا الجيش الإسرائيلي غير قادر على خلق قوة ردع في غزة والجولة الأخيرة كانت قبل حوالي عام.

حاليا حماس لا تدخل الصراع لأن لديها ما يمكن أن تربحه من وقف القتال. لكنها تسمح للجهاد بالعمل بحرية في غزة، بل وتزوده بالدعم اللوجستي. هذا على الرغم من أنها هي صاحبة السيادة. كيف نريد إجبار حماس على تغيير سلوكها إذا كنا نتعامل معها أحيانا على أنها صاحبة السيادة وأحيانًا لا؟

حماس، كما ذكرنا، ترى نفسها على أنها تدير أربع ساحات ضد الجيش الإسرائيلي: غزة، الضفة الغربية، البلدات المختلطة والقدس.

ومن المتوقع أن تؤدي قدرة حماس على امتصاص الضربات في ساحة والمهاجمة في ساحة أخرى، حول نفس السياق السياسي أو العسكري إلى تصعيد سريع للعمليات الروتينية مثل اعتقال النشطاء في الضفة الغربية.

مثل هذا الواقع سيتطلب من الجيش والشرطة الاستعداد لمزيد من الجولات ضد الفلسطينيين. ليس فقط في الضفة الغربية أو غزة، ولكن أيضًا في داخل البلاد.

الواقع الذي يتضمن جولات قتالية عديدة في وقت قصير يتطلب الإبقاء على الاحتياط في الجيش الإسرائيلي والشرطة بانتظام لأشهر، وهذا له كلفة مالية عالية ومن المشكوك فيه ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية مستعدة لذلك.

تفضيل الحل الناعم على الحل العسكري

إذا استمرت الجولات السريعة المتتالية ضد الفلسطينيين أيضا بعد عملية “بزوغ الفجر”، فمن المحتمل أن يفضلوا في “تل أبيب” استخدام الوسائل الاقتصادية والسياسية لجعل حماس تتجنب المواجهة. حماس منظمة عقلانية تحسب الربح والخسارة، وإذا استفادت من عدم القتال، ستكون هناك جولات أقل.

ومع ذلك، فإن مثل هذا السيناريو يتعارض مع مفهوم المعركة التي بين الحروب لدى الجيش الإسرائيلي والذي يرى أن الحرب المستمرة ضرورية لمنع الجانب الآخر من اكتساب ومراكمة القوة.

كيف تسمحون لحماس بالاستفادة من عدم القتال وفي نفس الوقت تمنعونها من مراكمة قوتها العسكرية؟ هذا هو سؤال مفتوح، خاصة عندما يكون المستوى السياسي يفضل فترات طويلة من الهدوء للترويج لمبادرات سياسية ضد إيران في الخليج.

من المتوقع أن يؤثر نهج الربط بين الساحات كما تروج له المنظمات الفلسطينية على أنشطة الجيش الإسرائيلي والشاباك في الضفة الغربية. وفي مثل هذه المعادلة، يجب أن تكون الخسارة التي تستعد حماس لتقبلها في الضفة الغربية أقل من المكاسب التي تجنيها من الهدوء في غزة. ولكن كيف تتناسب هذه المعادلة مع محاولة إسرائيل منع حماس من اكتساب القوة السياسية في الضفة الغربية؟

أحبطت إسرائيل الانتخابات في السلطة الفلسطينية عدة مرات؛ لتجنب وضع محرج تستولى فيه حماس على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. عملية “كاسر الأمواج” التي تجري منذ الأشهر القليلة الماضية في الضفة الغربية تهدف أيضًا إلى حماية السلطة الفلسطينية من خلال إضعاف حماس والجهاد في الضفة الغربية.

لا شك في أن إسرائيل لا يمكنها أن تتحمل جولة قتال كل عام، في ظل غياب قدرة الجيش الإسرائيلي” على خلق الردع العسكري في غزة، يبدو أن المستوى السياسي يفضل الاستمرار في استخدام الأدوات السياسية (الضغط من مصر ودول الخليج) إلى جانب الحوافز الاقتصادية لحماس، بهدف تمديد أو إطالة الفترة الزمنية بين جولات القتال ضد الفلسطينيين.

كما سيؤثر المزيد من جولات القتال على المستثمرين الأجانب. هؤلاء أقل ولعًا بالحروب. طالما أن هناك مواجهة تحدث كل 3-4 سنوات، فهذا أمر مقبول. كلما كان هناك صراع كل عام أو أقل من ذلك سوف يُنظر إلى “إسرائيل” على أنها مكان أقل جدوى لإنشاء مشاريع تجارية.

يضاف إلى ذلك التعويض المالي من خزائن الدولة للمواطنين الذين لا يستطيعون الخروج للعمل أو الذين فقدوا ممتلكاتهم، كما يحدث حاليا في غلاف غزة. جولات القتال لها تكلفة مالية غير مباشرة في إعادة تأهيل الناس والممتلكات.

 


المصدر: اسرائيل ديفانس

الكاتب: عامي روحكاس دومبا