السبت 09 تشرين أول , 2021

المدن الصاروخية تحت الأرض: إيران ترسم قواعد اشتباك جديدة

لطالما أحدثت القدرة الصاروخية الإيرانية جدلاً واسعاً بين القوى الكبرى عالمياً والولايات المتحدة خاصة. والتي عملت بشكل مستمر على المتابعة الحثيثة لتتبع أماكن القواعد الصاروخية والعسكرية وجمع المعلومات الاستخباراتية عنها بشكل دائم، في محاولة منها لتشكيل بنك أهداف غني ومؤثر في أي حرب محتملة، حيث يكون باستطاعتها ضرب هذه القواعد في بداية الحرب وبالتالي تغيير مسارها. غير ان إيران كان لها رأي آخر، وجعلت من هذا التهديد فرصة لبناء إحدى أكبر المدن الصاروخية والعسكرية المحصنة تحت الأرض.

حاولت الولايات المتحدة طيلة عقود عزل الجمهورية الإسلامية، كما عملت بشكل دائم على تثبيت حضورها في المناطق والبلاد القريبة منها وعلى خطوط التماس مع حدودها. غير ان نتيجة هذا الأمر أتت عكسية حتى وصلت القوة العسكرية الإيرانية إلى نقطة تجاوزت فيها حدود الدفاع عن أرضها بل وصلت إلى رد الضربات بدقة مع ذكاء وقدرة مثالية في إخفاء وتحصين مرابض الصواريخ ومكان الاطلاق. وكان ذلك من خلال بناء مدن عسكرية محصنة تحت الأرض. 

في أعماق الأرض وتحت طبقات من الخرسانة تقع أكبر مدن الصواريخ والأسلحة الإيرانية وعلى امتداد 75 كلم والتي قد يصل عمقها لحوالي 50 طابقاً، وبطريقة معمارية هندسية تعكس حرفية في البناء والتصميم لحمايتها من القنابل المضادة للدروع والتحصينات. وهذا ما جنب الدولة الإيرانية والجيش مخاطر وعبء المراقبة الدائمة واللحظوية للأقمار الاصطناعية التي تكشف كل المساحات فوق الأرض.

كما تعتبر بنية هذه المدن الصاروخية التي بدأت إيران بتجهيزها منذ العام 1984 أنفاقاً في قلب الجبال، يمكن أن تتم في داخلها عملية التصنيع والإنتاج والتخزين والإطلاق بشكل عادي كما أنها تستطيع استيعاب عدد كبير جداً من الصواريخ الباليستية ومن أجيال مختلفة. وتتم عملية الاطلاق من صوامع محصنة وفتحات تحت الأرض.

وصفت الأوساط الإسرائيلية خاصة الأمنية منها هذه المدن الصاروخية بأنها "إيران أخرى تحت الأرض" تمتد على طول الجغرافيا الإيرانية حيث أنك "قد تمشي على الأرض وفي باطنها صواريخ ومدن عسكرية مجهزة ومستعدة للتشغيل في أي لحظة... إنها معقدة لكن الحرس الثوري يتقن إخفاءها".

تقع هذه القاعدة حسب التقديرات على الساحل الإيراني مقابل خليج عمان أو بحر العرب في مكان مواجه للإمارات (ميناء الفجيرة) ما يعطيها أهمية استراتيجية خاصة في خضم الصراع بوتيرته المتسارعة في الخليج وغرب آسيا.

من ناحية أخرى فإن بناء هذه القواعد في هذه النقطة بالتحديد فهي رسالة بحد ذاتها، بما تحمله من قدرة إيران على استهداف المدمرات والناقلات وحاملات الطائرات في عمق المحيط الهادي وبحر عمان والخليج حتى البحر الأحمر بصواريخ الكروز المجنحة التي يتجاوز مداها 1500 كلم، مع تعذر قدرة هذه الحاملات على التأثير بهذه القواعد للقدرة التحصينية الهائلة في حين أن الناقلات تلك مكشوفة في المياه.

أثناء زيارته لنيويورك سأل أحد رؤساء تحرير الصحف الأميركية وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان: صواريخكم الدقيقة تثير القلق في منطقة الشرق الأوسط وتهدد الاستقرار فيها. فأجاب: أنتم الأميركيون استخدمتم الأسلحة النووية في ناكازاكي وهيروشيما أما صواريخنا الدقيقة لم نستخدمها إلا مرتين، الأولى عندما هاجم التكفيريون مجلس الشورى، عندها قصفنا داعش في سوريا والمرة الثانية عندما أخذ ترامب القرار باغتيال الشهيد قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وكان الرد بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق بـ 13 صاروخاً من الصواريخ الدقيقة. لهذا إذا لم توقف أميركا اعتداءاتها على إيران وارسالها التكفيريين والجماعات الإرهابية عليها أن تقلق من الصواريخ الدقيقة الإيرانية.

كان جواب عبد اللهيان في عمق الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية والعقيدة القتالية العسكرية.  فمع كل هذه الإنجازات الدفاعية التي تراكمها الجمهورية الإسلامية في إيران أصبح الحديث عن أي حرب مقبلة مسألة مناورة ومغامرة لواشنطن وأدواتها في المنطقة من المؤكد أنها لن تملك قرار الحرب والسلم فيها ولا قواعد الاشتباك.


الكاتب: غرفة التحرير